أرسل لصديق ||

الحرية أولاً

 11-03-2003

الحرية أولاً وتلك هي الأدلة

الدكتور فتحي يكن

أما الدكتور فتحي يكن المفكر الإسلامي اللبناني فيقول: "جواباً على هذا التساؤل، وخروجًا من الإشكالية المطروحة، أرى – بكل تواضع– أن الحرية تأتي دائمًا في المقدمة وفق أولويات التصور الإسلامي للكون والإنسان والحياة، والأدلة على ذلك كثيرة، وأكتفي بالتالي:

1-    أن الحرية مناط التكليف الشرعي، فمن لا حرية لديه لا تكليف عليه.

2-  أن الخطاب الإلهي بدأ بالدعوة إلى العدل.. والحرية ثمرة العدل، فقال تعالى: {إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ والإحْسَانِ وإيتَاءِ ذِي القُرْبَى ويَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ والْمُنكَرِ والْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}.

3-  أن مشروعية الجهاد والقتال في الإسلام إنما تنعقد عندما يحال بين المسلمين وبين الدعوة إلى الإسلام، أي عندما تغيب حرية الدعوة، وعندها تترتب الخيارات البديلة "الجزية أو القتال"، وهذا مناط قوله تعالى {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ}.

4-  أن اعتناق الإسلام يجب أن يأتي نتيجة اختيار حرّ، بدليل قوله تعالى: {لا إكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ}؛ فالحرية مطلوبة شرعًا كمدخل لاعتناق الدين، وصدق الله تعالى حيث يقول {أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ}.

5-  أن الفاروق عمر بن الخطاب أمر القبطي بضرب ابن عمرو بن العاص قائلاً: "اضرب ابن الأكرمين". ثم التفت إلى ابن العاص زاجرًا، وقال: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟".

6-  أن رسالة ربعيّ بن عامر إلى رستم قائد جيوش فارس حملت أولويات الدعوة الإسلامية، وفي طليعتها تحرير الناس من الطغيان والتسلط، حيث قال له: "الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله الواحد القهار، من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، ومن جور الأديان إلى عدالة الإسلام".

7-  أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في حلف الفضول الذي حضره في الجاهلية قبل الإسلام والذي كان يهدف إلى رفع الظلم والبغي وإشاعة أجواء الحرية والعدالة "لو أني دعيت إلى مثله في الإسلام لأجبت".

أخيراً، لا بد من القول بأن الحرية ليست بديلاً عن الشريعة، وإنما هي عون على تطبيقها، فهي بذلك مطلب إسلامي ملحّ، وحالة صحّية منشودة، تمكّن الدعاة من الانطلاق في دعوتهم، كما تمكّن الدعوة من بلوغ أهدافها في تطبيق الشريعة. ومن البديهي أن تتعطل حركة الدعوة عندما تختفي أجواء الحرية.

إن كل ذلك يعني أن الأولوية للحرية. والله أعلم. 

هويدي: الحرية أسهل الطرق لتطبيق الشريعة

فهمي هويدي

ورغم كل هذه الآراء التي تنحاز لأولوية الشريعة يؤكد المفكر الإسلامي الأستاذ فهمي هويدي أنه "لا تعارض مطلقاً بين الشريعة والحرية"، ويقول: "غير أنني ممن يؤمنون بأن أسهل الطرق لتطبيق الشريعة البدء بتطبيق الديمقراطية الصحيحة وإطلاق الحريات".

ويضيف هويدي: "الشريعة هدف نهائي لن تبلغه إلا إذا حققتَ عددًا من الأهداف الأولية، تأتي الحرية في مقدمتها؛ فشريعة بغير حرية تطبيق منقوص وإهدار لكرامة المجتمع، ولكن هناك (نصّيّون) لا يدركون تمامًا مقاصد الشريعة الإسلامية"، مشيرًا إلى أنه رغم كون المستشار مأمون الهضيبي رجل قانون بالأساس، فإنه قد غاب عنه هذا الأمر".

ويتابع: "وفي رأيي أننا لو خُيِّرنا بين تطبيق الشريعة وإطلاق الحريات يجب أن نختار الحرية؛ لأن الحرية هي المفتاح لبلوغ ما نريد تحقيقه بالشريعة، والناظر المتأمل لتجارب الحكم حولنا يتضح له أن الذين بدءوا بتطبيق الشريعة قبل تهيئة المجتمعات ضيعوا الحريات ونصَّبوا أنفسهم حُكامًا على الناس وحُراسًا على الشريعة".

ويوضح هويدي أن من يبدأ بإطلاق الحريات أولاً قبل إلزام الناس بالشريعة، فإنه يجعل من المجتمع حَكَمًا ورقيبًا على تصرفاته، ونحن نريد أن يكون المجتمع هو الحَكَم والرقيب لا أن يُنصِّب قلة من الأشخاص من أنفسهم قضاة على المجتمع.

ويشير المفكر الإسلامي فهمي هويدي إلى أن المجتمع ينمو بالحرية، فيفهم ويعرف ما له من حقوق فيطالب بها، وما عليه من واجبات فيلتزم بها، كما أن المجتمع سيكون حينها قادرًا على أن يوقف أي فساد أو انحراف عن قواعد الشريعة. 

أبو الفتوح: الحرية المدخل الصحيح للشريعة

عبدالمنعم أبو الفتوح

ويؤيد الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح الأمين العام لنقابة الأطباء بمصر، وعضو مكتب الإرشاد البارز لجماعة الإخوان المسلمين ما ذهب إليه هويدي، ويقول: "لا يوجد تناقض بين الحرية والشريعة، ولكنني أؤمن أن الحرية هي المدخل الصحيح للشريعة؛ فالحرية أولاً ثم الشريعة".

ويضيف أبو الفتوح:" أنا مع فضيلة الدكتور يوسف القرضاوي فيما يقصده من قوله: الحرية أولاً، نعم، فالحرية أولاً حتى يتم تطبيق الشريعة في ظل قبول شعبي".

ويؤكد أنه: "لا بد أن تختار الشعوب بكامل إرادتها تطبيق الشريعة دون تزييف أو إكراه، وحتى لا نكون قد استبدلنا نُظُمًا مستبدة إسلاميًّا بنظم مستبدة اشتراكيًّا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم -وهو قدوتنا- رفض الرئاسة على قريش عندما عرضها عليه سادتها؛ لأن الشعب القُرَشي لم يكن ليقبل الشريعة"، مشيرًا إلى أن الإسلام لا يمكن أن يفرض فرضًا على أي شعب، بل لا بد أن يختاره الشعب برغبته".

ويطرح أبو الفتوح سؤالاً يقول فيه: "هل يجوز فرض الإسلام كدين وشريعة على أي شعب دون رضاه؟" ويردف قائلاً: "الجواب أنه لا يمكن؛ لأنه يكون حينئذ استبداديًّا، والإسلام يرفض الاستبداد، فلا بد من تحقق الرضاء الشعبي، والشيخ القرضاوي كان يقصد أن النظام الإسلامي لا يكون مستقرًّا إلا لو قبله الشعب".

ويقول: "أنا ضد أن يُفرَض الإسلام وأحكامه على الشعوب فرضًا، والذي يقرأ تاريخ الفتوحات الإسلامية يعرف أن الفاتحين كانوا يُخيِّرون شعوب البلاد التي يفتحونها بين أن يختاروا الإسلام بحرية أو أن يبقوا على دينهم، والنجاشي ملك الحبشة كان مسلمًا ويحكم شعبا مسيحيًّا اختاره برغبته".

ويضيف: "أنا أرفض أن يكون للحاكم المسلم سلطة فرض الشريعة على الناس دون رغبتهم، ولا أقبل أن يُفرَض الإسلام على شعب يرفضه"؛ فالإرادة الشعبية الحرة مهمة، ومنع تزوير إرادة الشعوب أولى".

ويوضح أن مطالبة الشيخ القرضاوي بالحرية وتأكيده على أهميتها لا تعني أنه لا يريد الشريعة، بل تعني الإشارة إلى أهمية وضرورة الحرية، فلا بد من الاختيار الشعبي الحر للشريعة، وهذا لن يكون إلا بإطلاق الحريات للشعوب".

ويتساءل أبو الفتوح: "أليست الحرية هي مدخل الإنسان للإسلام كدين؟، قال تعالى: {وقُلِ الحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ}، فالمُكرَه على الإسلام لا يُقبَل منه إسلامه، ومن أسلم مُجبَرًا أو مُكرَهًا لا يُعَدّ مسلمًا، بل لا بد أن يختاره برغبته ورضاه، وكذا المُكرَه على الخروج من الإسلام لا يعد كافرًا، قال تعالى: {ولَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا}.

ويقول: "المجتمع الإسلامي في تاريخه الطويل يشهد بهذه الحريات، وكُتب التاريخ الإسلامي تمتلئ بالعديد من القصص المشرفة التي سجلها بمداد من نور على صحائف من ذهب.. فالإسلام لا يمكن أن يُطبَّق في مجتمع العبيد، ونحن لا نقبل أن يُطبَّق في مجتمع العبيد، فهو كالنبات لا يحيا بلا ماء، والحرية من الشريعة هي بمثابة الماء اللازم لها، ونحن لا يشرفنا أن يطبق الإسلام على الشعوب بالإكراه، فهو دين عظيم وعزيز يعتمد المنطق والإقناع والحجة والدليل". 

الأسطل: شريعة دون حرية "صيحة في واد"

ويقول الدكتور يونس الأسطل العميد السابق لكلية الشريعة بالجامعة الإسلامية بغزة: "الذي أراه أن المطالبة بالحرية مُقدَّم على المطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية لعدة أسباب، منها: أن الحرية تتعلق بالكرامة الإنسانية، وهي جزء من العقيدة، والعقيدة مُقدَّمة على الشريعة، فمنهج القرآن الكريم ابتدأ بقضايا العقيدة قبل قضايا التشريع، والتشريع معظمه لم ينزل إلا في المدينة، بينما العقيدة ومنها الكرامة الإنسانية لكافة بني آدم وإن كانوا غير مسلمين جرى التأكيد عليها من بداية الوحي".

ويضيف الأسطل: "إذا نال الناس حريتهم بالمفهوم الصحيح وليس بالمفهوم البهيمي، صارت المطالبة بتطبيق الشريعة جهدًا مسموعًا، لكن إذا كُمِّمَت الأفواه وصُودِرَت الحريات صارت المطالبة بتطبيق الشريعة صيحةً في وادٍ أو نفخةً في رماد".

ويوضح أن "مجال الحرية مجال واسع، لدرجة أن بعض العلماء المعاصرين من فقهاء الشريعة، كالطاهر بن عاشور، اعتبر الحرية من المقاصد الكبرى في الإسلام التي تُضاف إلى الحفاظ على الدين والنفس والعقل والنسل والمال، ورأى ضرورة إضافة الحرية إلى الكليات الخمس التي جاءت الشرائع السماوية للحفاظ عليها إيجابًا أو درءًا، إيجابًا للأسباب التي توجبها، ودرءًا للمفاسد التي تعدمها".

ويختتم بقوله: "إن الحرية تطال مساحة واسعة في الإسلام تستوعب التشريع وغيره، وهو ما يجعلني أنحاز للرأي القائل بالحرية أولاً". 

ليلى أحمد: هل يجدي تطبيق الشريعة دون إيمان عميق بها؟!

أما الدكتورة ليلى أحمد رئيسة تحرير مركز الراية للتنمية الفكرية بجدة، فتتساءل متعجبة: "كم عدد الذين سيقبلون بفكرة أن الشريعة هي المطلب الأساسي بعد ما رأوه بأم أعينهم من سوء تطبيق الشريعة في هذا البلد أو ذاك؟!".

إن المناداة بـ (لا إكراه في الدين) لوحدها لن تقنع العلمانيين بتبني فكرة تطبيق الشريعة بعد الذي رأوه يجري على يد من تزعَّمَ تطبيق الشريعة، وخير لنا ألا نضيع المزيد من الوقت بالمهاترات والمداخلات التي لا طائل تحتها؛ لأن إخواننا العلمانيين –ومنهم من يتمتع بفكر حر ويرحب بالحوار- سيتفقون معنا فقط عندما نطالب بالمزيد من الحريات والشفافية على كل مستوى، وسيضعون أيديهم في أيدينا عندما نكون عونًا للمظلوم على الظالم. أما إذا تشبثنا بفكرة أننا نحن من يملك الحقيقة المطلقة فلهم الحق إذا وضعوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأداروا ظهورهم وأصروا أننا نعيش في كهوف التاريخ، وذلك لأننا لا نتكلم مع القوم بلغة مشتركة بل نكلمهم بمنطق تضخم الذات الذي نعيبه عليهم!". 

بيومي: الإنسان يختار الشريعة بحرية

عبد المعطي بيومي

ويقول الدكتور عبد المعطي بيومي الأستاذ بجامعة الأزهر وعضو مجلس الشعب المصري: "طبعًا الحرية أولاً، ثم الشريعة؛ لأن الإنسان يختار الشريعة، وهو في حالة من الحرية، فالحرية لها الاعتبار الأول".

ويضيف بيومي: "إن الشريعة تُعرَض على العقل أولاً، ثم إن إيمان المُكرَه لا يُقبَل، قال تعالى في محكم التنزيل: {لا إكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ}، وكل رسول بعثه الله إلى قومه كان يخاطبهم بالعقل، ويعرض لهم من الأدلة العقلية ما يقنعهم بوجود الله ووحدانيته، وبرسالته هو كرسول، فكانوا إذا اقتنعوا دخلوا في دينه والتزموا شريعته".

ويختتم بالقول: الإسلام حرر الإنسان من عبادة الطاغوت قبل أن يدخله في الإسلام، قال تعالى: {فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ ويُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الوُثْقَى لا انفِصَامَ لَهَا}. 

طالع باقي محاور الملف: