اخطبوا من أجل لبنان وفلسطين
أما بعد، فيا أيها الإخوة المسلمون..
يتقلب المؤمن في حياته بين الشكر والصبر؛ الشكر على ما أنعم الله به عليه من نعم لا تحصى، والصبر على ما يصيبه من بلواء {ونَبْلُوكُم بِالشَّرِّ والْخَيْرِ فِتْنَةً وإلَيْنَا تُرْجَعُونَ} [الأنبياء: 35]، وقد ابتلى الله الأمة الإسلامية اليوم في فلسطين ولبنان بما شاهدناه ورأيناه جميعا على شاشات الفضائيات والتلفازات، من تدمير للأرض والقوى، كبرًا وغطرسة من الجيش الإسرائيلي الغاشم.
والمسلم يلقى عداوات المحاربين وغدراتهم بالصبر والثبات، يقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا} [الأنفال: 45]. {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إيمَانًا وقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ * فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ} [آل عمران: 173، 174].
ويقول صلى الله عليه وسلم: "عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له" [رواه مسلم].
النصر صبر ساعة
والنصر صبر ساعة، كما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وقد سئل عنترة بن شداد: كيف تنتصر على أعدائك، فقال لمن سأله: "ضع إصبعك في فمي، وأضع إصبعي في فمك، وليعض كل منا بنان الآخر، فلما فعلا ذلك، صرخ خصم عنترة، فقال عنترة: لو لم تصرخ لصرخت أنا"!.
إن الأمل في النصر لا بد أن يظل نصب عين الأمة كلها، وليس حزب الله وحماس فقط، والمجاهدين في فلسطين ولبنان.
كان النبي صلى الله عليه وسلم أشد الناس تفاؤلاً في أحلك الأوقات؛ عندما حوصر في غزوة الخندق، وصوَّر الله ما لقي هو وأصحابه من عنت ومشقة {إذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ ومِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وإذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَنَاجِرَ وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ وزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيدًا} [الأحزاب: 10، 11]، ومع ذلك يحفر النبي صلى الله عليه وسلم الخندق، وهو يحفر يكبِّر "الله أكبر، أرى قصور الشام، الله أكبر أرى قصور كسرى وقيصر". ليغرس الأمل في نفوسهم.
وقد عاشت الأمة محنة التتار، وأسقطوا دولة خلافة المسلمين (بغداد)، حتى كتب أحد مؤرخي الغرب كتابًا، ومر على هذه المرحلة من الأمة، ووضع سؤالاً وهو: "هل ستقوم لدين محمد قائمة؟!!" وترك أحداث التاريخ تجيب على السؤال، ومر عامان فقط، واستعاد المسلمون مكانهم بالأمل في موعود الله بالنصر، وعادوا إلى إيمانهم، وانتصروا نصرًا عزيزًا، ووضع المؤرخ الغربي غير المسلم سؤالا آخر: "هل سيقف أمام دين محمد أحد؟!!".
فالمسلم لا ييأس؛ لأن اليأس ذكره الله في كتابه قرينًا للكفر والضلال {إنَّهُ لا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إلا القَوْمُ الكَافِرُونَ} [يوسف: 87] {ومَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إلا الضَّالُّونَ} [الحجر: 56].
موازين القوى عند المسلم
إن موازين القوى عند المسلم لا يعتبَر فيها بالقوة المادية فقط، وإن كان لها أهمية أيضًا، ولكن هناك قوة أمضى عزمًا، وأقوى سطوة، هي القوة الروحية؛ قوة الإيمان بالله، والثقة بالنفس، والثقة في تأييد الله ونصره، فإن الهزيمة أول ما تقع تقع في نفس الجندي المقاتل، وليس في سلاحه، يقول تعالى: {إنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وخَافُونِ إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [آل عمران: 175]، ويقول عز وجل: {أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ ويُخْزِهِمْ ويَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ ويَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ * ويُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ} [التوبة: 13-15]. ويقول عز وعلا: {وكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ومَا ضَعُفُوا ومَا اسْتَكَانُوا واللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} [آل عمران: 146]. فليس بعد قول الله قول لقائل.
إن العدو يريد كسر إرادة الأمة، وتحطيم معنوياتها، فإن لم ينجح في ذلك فما انتصر، بل إن الله عز وجل بشرنا بأن ما يؤلم المؤمنين يؤلم الكافرين، بل وزيادة {إن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ} ثم كانت البشرى {وتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ} [النساء: 104] ونحن نرجو من الله السيادة والنصر في الدنيا، والسعادة في الآخرة بجنته سبحانه وتعالى، وهذا ما لا يرجوه عدونا.
لقد مرت الأمة بتجارب من قبل أصعب وأعسر من هذه التجربة؛ تجربة جيش الصليبيين الذي لا يقهر، وواجهت تسع حملات صليبية، كانت أرض الإسلام والعرب مقبرة لهم جميعًا. وجربنا في عصرنا الحديث أسطورة جيش إسرائيل الذي لا يقهر، وقُهِر وذُلَّ، وصرخوا واستجاروا بأمريكا وقوى الغرب أن تجيرهم من جنود مصر والعرب، وقد رأيناهم أيضًا في جنوب لبنان منذ بضع سنين يفرون ويهربون ويخرجون صاغرين منها.
بل حتى أمريكا، القوة العظمى، خرجت من فيتنام صغيرة ذليلة، وخرجت من الصومال أصغر وأذل وأحقر، وسُحِل جنودها على الأرض سحلا من الصوماليين الذين هم (جلد على عظم)، كما كانوا يسخرون منهم، ومرغوا أنف الدولة العظمى في التراب.
إن أمريكا أقوى نصير لإسرائيل، وما دخلت حربًا إلا وهُزمت فيها، وكان مَنِ انتصروا عليها ضعفاء البنية، قليلي السلاح، ضعيفي الخبرة بالحرب، ولكن كانت بداخلهم قوة روحية، رفعتهم إلى عنان السماء، جعلت من نفوسهم نفوسًا كبيرة، أبت الضيم والذل.
وليس أدل على ما نقول من خوف إسرائيل من العامل النفسي والقوة الروحية -التي نملكها ولا يملكونها- من منعها لوسائل الإعلام العربية وغيرها من دخول الأراضي التي تقصفها صواريخ حزب الله؛ لأنها تعلم أن شعبها شعب يهتز لأقل شائعة، فما بالكم بالحقائق التي ستعلن على شاشات الفضائيات، وجيشها أضعف من شعبها، فلِمَ الخوف والتردد؟!.
إننا نملك سلاحًا لا يملكه غيرنا؛ سلاح الإيمان بالله، سلاح الإيمان بالحق، سلاح الأخوة المؤمنة التي تلهج بالدعاء في كل بقعة من بقاع الأرض لأهل لبنان وفلسطين.
كيف لا نؤيد حزب الله؟!!
أما عن دعوى أننا لا ننصر ولا نؤيد حزب الله في حربه مع إسرائيل بدعوى أنه شيعي، وأن النصر لن يأتي على يديه، فهذا خطل وهراء، لا يصدر إلا عن إنسان يجهل دينه، ويعمى عن واقعه، أهناك أشد كفرًا وضلالة ممن قال الله في حقهم: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ} [المائدة: 73] النصارى، ومع ذلك خفقت قلوب المؤمنين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتطلعت أفئدتهم وأبصارهم لتحقيق بشرى القرآن بنصرهم على الفرس عُبَّاد النار {الـم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لله الأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدِ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ الله} [الروم: 1- 4]، فما بالنا بمن تجمعنا بهم وحدة القِبلة، ووحدة الكتاب، ووحدات أخرى، ليس المقام مقام تذكير بها، ثم إن حزب الله ما قام بما قام به إلا تأييدًا لموقف إخواننا الفلسطينيين من أهل السنة، بعدما عجزت حكومات العرب والمسلمين عن نصرتهم، بل كانت تلك الحكومات أداة تخذيل وتثبيط!!.
كما أن الوقت ليس وقت تنظير لأفكار، وتصنيف لفئات، الوقت وقت رص الصفوف، والتحام القوى {إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ} [الصف: 4].
واجب الشعوب نحو لبنان وفلسطين
إن على الشعوب الإسلامية والعربية واجبات نحو إخوانهم في لبنان وفلسطين، ومن هذه الواجبات:
1- تسيير المظاهرات السلمية للضغط على الحكومات العربية والإسلامية لاتخاذ موقف فعال تجاه إخواننا في لبنان وفلسطين.
2- تفعيل المقاطعة الاقتصادية للبضائع الإسرائيلية والأمريكية، وقد اتفق معظم علماء الأمة على وجوبها.
3- تقديم العون المادي والإنساني بكل ما يستطيع المسلم بذله، ومنه: التبرع بالمال. وهذه بعض مقترحات، كل يأخذ منها بما يناسبه أو يقترح عليها:
أ- كثير منا يأكل ويتبقى من طعامه الكثير الذي يلقى في القمامة، فننصح بأن يقتصد المرء في طعامه، وما كان يتبقى منه من قبل يحسب قيمته ويخرجها تبرعًا.
ب- يحلو للكثيرين السفر للتنزه، وبخاصة إلى الدول الأوربية، فنقترح السفر لأية دولة عربية بتكلفة أقل من ذي قبل، وما يتوفر يتبرع به لفلسطين ولبنان، وكذلك من يذهب للمصايف، يقتصد قدر الاستطاعة، ويجعل ما يقتصده تبرعًا، وإن استطاع أن يقاوم شهوة النفس ويلغي المصيف ويتبرع بثمنه، فجزاه الله خيرًا.
ج- كثير من المقيمين في الدول الخليجية عند نزوله لبلدته يصحب معه كمية من الهدايا، نقترح أن يقلل من نسبة الهدايا في هذا العام، ويجعل الباقي تبرعًا لإخوانه في فلسطين ولبنان، ويشرح ذلك لأهله في وطنه، وأنه تبرع بهذه النسبة لفلسطين؛ تشجيعًا لهم على ذلك، ولمشاركتهم في الأجر.
د- عند شرائنا من المحلات، كثيرًا ما يتبقى القليل من المال الذي لا قيمة له، فلتجعل هذه القيمة الصغيرة في حصالة في المنزل، واكتب عليها: (حصالة فلسطين ولبنان)؛ تشجيعًا لأبنائك على التبرع.
هـ- اقتطع من راتبك مبلغًا ولو قليلاً، واجعله تبرعًا "صنائع المعروف تقي مصارع السوء".
وأخيرا: الدعاء لهم في الصلوات، والقنوت لهم كذلك، وهو أمر مشروع، ومن سنة النبي صلى الله عليه وسلم.
"اللهم رب العالمين، وأمان الخائفين، ومذل المتكبرين، وقاصم الجبارين، تقبل دعاءنا، وأجب نداءنا، وأنلنا حقنا، ورد علينا حريتنا وكرامتنا وأرضنا.
اللهم إن هؤلاء الغاصبين من اليهود قد دمروا أرضنا، وجحدوا حقنا، وطغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد، اللهم فرُد عنا كيدهم، وفُلَّ حدَّهم، وفرِّق جمعهم، وخذهم ومن ناصرهم أو أعانهم، أو هادنهم أو وادَّهم، أخذ عزيز مقتدر. اللهم واجعل الدائرة تدور عليهم، وسق الوبال إليهم، وأذل دولتهم، وأذهب عن أرضك سلطانهم، ولا تدع لهم سبيلاً على أحد من المؤمنين. آمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم".


















