وللإيمان روافد أخرى !!
ولا يتحقق إرجاع الناس من التيه والضلال والعبث في طرفة عين، وقد مرت عليهم سنون طوال وعجاف كان يحكم فيها السيف والهوى والعصبية، ولا يتحقق ذلك والداعية مسيره طويل، وزاده لا فسحة فيه، ولا يجد وقتا للأهل والأولاد ليعيش همومهم ويحل مشاكلهم.
فهل في ديننا فسحة؟؟ وما هي حدودها؟ وما بال دعاتنا اليوم ضيقوا واسعا وحرموا أنفسهم وذويهم من فسحة "ساعة بعد ساعة"؟؟
فحول هذا سنطرق أبوابا أوصدتها هموم الداعية وهو يرى بُعد الناس عن دينهم حتى أصبحت الابتسامة ضيفا غريبا عليه، لا تكاد تراه.
ساعة وساعة:
يقول الصحابي الجليل حنظلة الأسيدي: لقيني أبو بكر وقال: "كيف أنت يا حنظلة؟ قلت: نافق حنظلة! قال: سبحان الله، ما تقول؟ قلت: نكون عند رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يذكِّرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأي عين فإذا خرجنا من عنده عافسنا – لاعبنا وخالطنا - الأزواج والأولاد والضيعات فنسينا كثيرا! فقال أبو بكر: فوالله إنا لنلقى مثل هذا. قال حنظلة: فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا على رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، قلت: نافق حنظلة يا رسول الله، فقال: وما ذاك؟ قلت: يا رسول الله، نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة كأنا رأي عين، فإذا خرجنا من عندك عافَسْنا الأزواج والأولاد والضيعات ونسينا كثيرا. فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): "والذي نفسي بيده لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم ولكن يا حنظلة ساعة وساعة – وكررها ثلاثا" رواه مسلم في صحيحه.
إن ما يظنه الدعاة اليوم تضييعا للوقت في الفسحة، هو ما تحدث عنه سيدنا حنظلة قائلا: "نافق حنظلة" ولم يشف فزعه إلا قول الرسول (صلى الله عليه وسلم): "ساعة وساعة".
فهذه القلوب قلوب بشر يمشون في الأسواق ويأكلون الطعام ويتأثرون ويؤثرون وينامون ويصيبهم الإرهاق والعياء.. فهي ليست قلوب ملائكة لا يتزوجون ولا ينامون ولها من بعض صفات الله تعالى ما لها.
ولذلك فالترويح عنها بالمباح ليس تضييعا للوقت وإنما هو من صلب الإيمان الذي علَّمه النبي (صلى الله عليه وسلم) صحابته بالترويح عن القلوب ساعة بعد ساعة؛ "فإن القلوب إذا كلت عميت".
وهذا خطر على الداعية والدعوة، فحينما يختلُّ الميزان - ميزان الفهم والتبليغ - تضطرب معه النتائج وتعود بعكسها.
ولذلك فعلى الداعية أن يتلمس في بعض كلامه وفعله ويومه طرائف الفكاهة والتبسم بما يشرح صدره ويقوي عزيمته على المسير، بقدر "ما يعطى الطعام من الملح"، فطريقه طويل، والإسلام دين واقعي وليس خياليا يعامل الناس على أنهم بشر وليسوا ملائكة ذوي أجنحة "مثنى وثلاث ورباع".
قطوف من فسحة الرسول (صلى الله عليه وسلم):
لقد كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم)- وهو الأسوة، وتكليفه بتبليغ الرسالة للعالمين أشد وأقوى من تبليغ الدعاة والعلماء - يمزح مع صحابته ويداعب أحفاده ويلاعب نساءه، وكان يقول: "إني لأمزح ولا أقول إلا حقا" رواه الطبراني.
وروى الترمذي أن الصحابة قالوا: يا رسول الله إنك لتداعبنا!. قال: "إني لا أقول إلا حقا".
وداعب (صلى الله عليه وسلم) امرأة سألته أن يعطيها بعيرا تركبه فقال: "أحملك على ولد الناقة" فتعجبت! ما تصنع بولد الناقة، قال لها: "وهل تلد الإبلَ إلا النوقُ؟".
وسأل امرأة: زوجك الذي في عينه بياض؟ قالت: عقرى؟ - تقول: يا ويلي - فقال لها (صلى الله عليه وسلم: "وهل من عين إلا وفيها بياض!!".
وروت أمنا عائشة رضي الله عنها أن عجوزا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا تدخل الجنة عجوز" فقالت: وما لهن؟؟ – ظنت أن تكون محرومة من الجنة - فقال لها: "أما تقرئين القرآن: «إنا أنشأناهن إنشاء فجعلناهن أبكارا عربا أترابا لأصحاب اليمين» (الواقعة 38-40).
ويروى أن سيدنا بلالا رضي الله عنه لم يكن عنده ما يذبحه كأضحية غير ديك، فقدم به إلى الرسول صلى الله عليه وسلم: "قائلا: أيجوز أن أذبح هذا كأضحية؟؟ فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم- وهو يمازحه:"أيضحي مؤذن بمؤذن؟؟".
وسئلت السيدة عائشة رضي الله عنها: كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خلا في بيته؟؟ فقالت: "كان ألين الناس وكان رجلا من رجالكم إلا أنه كان ضحاكا بساما".
هذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم تعدم فيه الابتسامة والفسحة في الدين رغم ثقل ما كان يحمل، وليس أثقل من وحي الله تعالى، القرآن الكريم، وهو يتنزل آية آية على قلبه ليبلغه للناس في بيئة لا عهد لها بالإيمان، حيث إن بينها وبين المسيح عيسى عليه السلام قرونا عديدة.
أما اليوم فالناس في قلبها حب الله وحب الخير ولا ينقصها إلا لمسات وديعة حانية من داعية منشرح الصدر باسم الوجه يزيل ما بها من غبار الغفلة.
الصحابة والفسحة في الدين:
يروي عز الدين بن الأثير في كتابه "أُسْد الغابة" أن "نعيمان" كان مزَّاحا، سافر إلى الشام تحت إمرة أبي بكر، ومعهم "سويبط" رضي الله عنهم، وكان سويبط في هذا السفر مكلفا بالزاد، سأله نعيمان أن يطعمه فأبى. فاحتال عليه وأتى قوما أكد لهم أن له غلاما يريد أن يبيعه، وباع سويبطا بعشر قلائص – نوق - ووضعوا الحبل في عنقه وذهبوا به، لولا أن أبا بكر تدارك الموقف لما علم بما حدث.
ورجعوا إلى المدينة، وعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم بما فعل نعيمان فلبث هو والصحابة يضحكون حولا – عاما - من هذه الفعلة.
وجاء أعرابي فأناخ ناقته ودخل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء بعض الصحابة إلى نعيمان وأوعزوا إليه أن ينحر إليهم الناقة لأنهم قرموا اللحم، ففعل.
فخرج الأعرابي يصيح لما رأى ناقته منحورة، وذهب النبي صلى الله عليه وسلم يبحث عن نعيمان فوجده اختبأ في بيت ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب، فأشار إلى مكان اختفائه وقال بصوت عال: رأيته يا رسول الله، هذا، وإصبعه تشير إلى المكان.
فخرج نعيمان وقال: يا رسول الله، الذين دلوك عليَّ هم الذين أمروني. فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح وجهه ويضحك وغرم الناقة لصاحبها.
نعيمان وسويبط رضي الله عنهما من أبطال غزوة بدر الكبرى، وأهل بدر رمز الجهاد ومرجع الفضائل إلى يوم القيامة.. كان في حياتهم فسحة، وفسح كهذه قد يتجهم بعض دعاتنا في وجه فاعليها، بل قد يقيمون القيامة عليها ولا يقعدونها بحس الظن.
ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم معلم البشرية قابلها بانشراح صدر وحكمة رزينة.
وجاء بعد الصحابة رضوان الله عليهم علماء وفقهاء أجلاء لم تخلُ حياتهم من أوقات للترويح والفكاهة.
فهذا الإمام أبو حنيفة كان يوما يمشي بين صاحبيه محمد وأبي يوسف، وكان قصيرا وهما طويلان، فقال أحدهم مداعبا له: أنت كالنون في "لنا" فرد الإمام على الفور: إذن لولا أنا لكنتما "لا".
فهل منعه المحراب والفقه وحفظ القرآن وما كان عليه من ورع وتقوى أن يمزح مع صاحبيه؟
ويقول أبو حيان التوحيدي في كتابه "الإمتاع والمؤانسة": "النفس تملُّ كما أن البدن يكلُّ، وكما أن البدن إذا كل طلب الراحة، كذلك النفس إذا كلت طلبت الروح – الراحة – وكما لا بد للبدن أن يستمد ويستفيد بالاستجمام كذلك لا بد للنفس من أن تطلب الروح عند تكاثف الملل الداعي إلى الحرج".
فالفسحة والفكاهة نزهة يحتاجها قلب المؤمن الداعية حتى لا يمل من زرع بذور الإيمان في أرض لم تُحرث من سني الخلافة الراشدة.
ولنساء الدعاة عليهن حق:
يعلمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حوادث طريفة أن لنساء الإسلام متسعا في شريعة الله وفسحة يسعد فيها الجسم والروح، وليس تجهما وتكشيرا وإعراضا واحتقارا، واعتبار لذة الجماع شرا لا بد منه!!.
يروي البخاري في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين وقف لها لتتفرج على الحبشة وهم يلعبون في المسجد ويزفنون – يرقصون - كان خدها على خده.. وفي حديث رواه عنها الإمام أحمد أنه صلى الله عليه وسلم قال عند ذلك: "لتعلم يهود أن في ديننا فسحة".
كما كان صلى الله عليه وسلم يسابقها وتسابقه فسبقته مرة، وسبقها مرة فقال لها: "هذه بتلك". هكذا فعل رسول الله مع زوجه في فجر شبابها.. ما هجر وما ضرب وما تجهم.
ولما تزوج الصحابي الجليل جابر بن عبد الله امرأة ثيبا قال له صلى الله عليه وسلم: "هلا بكرا تلاعبها وتلاعبك؟؟".
وذات مرة لقي سيدنا عثمان رضي الله عنه وهو أمير المؤمنين سيدنا عبد الله بن مسعود في منى أيام الحج فقال له: "ألا نزوجك جارية شابة لعلها تذكرك بعض ما مضى من زمانك؟".
"كانت المتعة الحلال حظا معروفا محبوبا لتلك النفوس الجادة المجاهدة، وكان الحديث عنها وممارستها شأنا من شؤون دنيا كل أحد، وشأنا من الشؤون العامة التي يشجع عليها الدين" (الشيخ عبد السلام ياسين "تنوير المؤمنات" ج1 ص 146).
دعاة اليوم وحظهم من الفسحة:
إذا كان بعض الدعاة يستهجن هذه الفسح ويحقر من شأنها ويعتبرها من خوارم مروءة الداعية ولا مبالاته – عن حسن ظن منه - فإن آخرين يعتبرونها من صميم الإيمان والدعوة إلى الله، فينظمون مخيمات الاستجمام والسياحة والخرجات الترفيهية والأنشطة الرياضية.
فاستجابة لنداء الإسلام الأصيل ولسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم: "إن لربك عليك حقا، ولنفسك عليك حقا، ولأهلك عليك حقا، فأعط كل ذي حق حقه" تنظم جماعة العدل والإحسان في كل صيف بالمغرب مخيمات تميزت - إلى جانب الحفاظ على الصلوات في وقتها والدروس والمحاضرات التربوية والفكرية والتأطيرية - بأنشطة فنية ترفيهية عن النفس، أناشيد ملتزمة، مسرحيات هادفة، مباريات رياضية… انسجاما مع الفطرة في أجواء إيمانية متميزة، وكانت لي فرصة أن التقيت في إحدى هذه المخيمات – مخيم سيدي بوغابة النموذجي الإسلامي الأول سنة 1999 - بداعية من دعاة المغرب وهو الأستاذ منير الركراكي أثناء لعبه، لمقابلة في كرة القدم مع المصطافين، وما زلت أتذكر تلك اللحظات كيف كان لها أثر طيب في نفوس الجمهور الذين زادت محبتهم لذاك الداعية الذي تعامل بفطرته وإنسانيته التي من خصائصها مشاركة الناس في أفراحهم وأتراحهم.
ومؤخرا بمدينة بركان الشرقية كانت لي زيارة لأحد الدعاة والعلماء الأجلاء الشيخ محمد عبادي – 56 سنة - الذي شارك معنا في جولة سياحية لإحدى المناطق الطبيعية الخلابة والابتسامة لا تفارقه. لم يعتزل فسحتنا إيمانا منه بأن الإيمان لا يتنافى مع الترويح المباح، بل معينا على انشراح الصدر للطاعة والتربية.
وخروج الشيخ محمد عبادي في فسحة ترفيهية لم يقلل من شأن الرجل وقوة خطابه في الدعوة بل زادته محبة وقبولا.
كانت هذه خاطرة لكل داعية إلى الله أحاول من خلالها أن أدق بابا ترك ظلما، وسنة هجرت لبعد السنين، وهي دعوة إلى التبسم والتفسح والترويح عن القلوب بالمباح والإقلاع عن التجهم والعبوس و"ظل الثقلاء" وهي لا تنفي بأي حال من الأحوال الجِد والهم الذي يحفر في كيان الدعاة إلى الله.


















