الدعاة وحرب لبنان.. خطوة للأمام
أدى إلى تحول ملحوظ وإيجابي في مواقف الدعاة والعلماء المسلمين، يتمثل في تزايد قوة وحضور التيار الدعوي الشعبي الذي يدعو لنصرة حزب الله في مقاومته لتلك الدولة التي ترتكب المزيد من الجرائم ضد الإنسانية، وتهدد مستقبل الأمة.
فمع استمرار الجرائم الصهيونية بحق هذه الدولة الصغيرة وشعبها زالت نسبيا التأثيرات السياسية والمذهبية؛ مما أثر إيجابيا على مواقف الدعاة والعلماء على اختلاف اتجاهاتهم، واكتسب التيار الشعبي أرضا جديدة داخل التيارات الأخرى (الرسمي والفقهي التقليدي والدعاة الجدد)؛ مما يعكس رغبة قوية من جانب الدعاة والعلماء في القيام بدورهم المنوط بهم، ويتمثل في تنوير الأمة، والدفاع عن قضاياها؛ فلا يرون الأمة تداس أرضها، ويُنتهك عرضها ويصمتون، على اعتبار أنهم مسئولون عن قيادتها، والوقوف للذود عنها والدفاع عن قضاياها المصيرية.
ورغم ذلك لا يمكن القول بأن هذه التأثيرات قد انتهت تماما، خصوصا التأثيرات السياسية التي تؤدي إلى تحولات مستمرة بين الموقف ونقيضه في يوم وليلة، فضلا عن أن هناك فريقًا داخل التيار الفقهي التقليدي ما زال يقاوم بشراسة حقيقة أن الحرب الدائرة طرفاها هما: الدولة الصهيونية والأمة العربية، وليس بينها وبين حزب الله (الشيعي الرافضي).
وفى هذا الإطار شهدنا مفارقة؛ وهي أنه في الوقت الذي يراجع التيار الفقهي التقليدي في السعودية نفسه من الحرب الدائرة؛ فإن بعض دعاة هذا التيار في مصر ولبنان يروجون لموقفه المعادي للمقاومة الإسلامية اللبنانية عبر مواقع الإنترنت ومنابر المساجد، ولعل هذا ما دفع "سنّة" لبنان والحركة الإسلامية في مصر وبعض العلماء والدعاة السعوديين إلى إعلان موقف مساند لحزب الله.
وكنا قد كتبنا مقالا بعد مرور أسبوعين على الأزمة، بعنوان "الدعاة وحرب لبنان.. الصمت المريب "، رصدنا فيه مواقف الدعاة على المستوى الرسمي والفقهي التقليدي والشعبي المستقل وعلى مستوى الدعاة الجدد، وكانت في مجملها مواقف استحيائية لا ترقى لمستوى الحدث كما كان متوقعا منها.
ولكن لوحظ بعد ذلك تحول في مواقف بعض هؤلاء الدعاة، وفي السطور التالية سنحاول الوقوف على هذه التحولات..
التيار الرسمي.. "للأمام سِرْ"
|
شيخ الأزهر |
حاولت هذه الأطراف -الرسمية الفاعلة- من خلال اتصالاتها الدولية العمل على وقف إطلاق النار، وتسوية الصراع الدائر -بهدف إفساد المخططات الإسرائيلية- عن طريق الدعوة لتطبيق اتفاق الطائف؛ الذي يقضي ببسط الدولة اللبنانية سيادتها على الجنوب، وقرار مجلس الأمن رقم 1559 الداعي إلى نزع أسلحة "الميليشيات"، وانتشار الجيش اللبناني على طول الحدود مع فلسطين المحتلة، لكن جهودها لم تتكلل بالنجاح؛ وهو ما أدى إلى تغير مواقفها باتجاه مساندة لبنان في محنته اقتصاديا ودبلوماسيا.
وربما يكون ذلك قد سمح بهامش أكبر للتحركات الشعبية المناهضة للإرهاب الإسرائيلي، وأدى إلى تحول ملحوظ في مواقف بعض الدعاة والعلماء الرسميين تجاه الحرب، ومن الأمثلة على ذلك تحول موقف شيخ الأزهر الذي ظهر في تصريحه على هامش فعاليات مؤتمر مجمع فقهاء الشريعة بأمريكا بالعاصمة المصرية السبت 29 يوليو 2006 الذي أكد فيه أن "الشريعة الإسلامية ترفض التعصب والغلو، وتدعو لمد يد السلام لكل من يدعو إليه، والوقوف بحزم ضد من يحاول الاعتداء على حرمة المسلمين وكرامتهم وعقيدتهم، وتحث على مقاومة من يعتدي على حرمات المسلمين وأعراضهم".
كما شدد الدكتور طنطاوي على أنه "لا يجوز التعاون مع المعتدين على الأراضي الإسلامية، وأن من يفعل ذلك يكون خائنا لدينه وأمته وعقيدته، ويكون محل احتقار وسخرية؛ لأنه صادَق مَن عادى الإسلام والمسلمين".
وفى حال استمرار الحرب وارتكاب مجازر أخرى في لبنان؛ فمن المتوقع أن تؤدي الإدانات الرسمية لهذه المجازر والدعوة لفتح تحقيق دولي بشأنها إلى ظهور فتاوى مواقف من الدعاة الرسميين أكثر بلورة تدعو لنصرة المقاومة اللبنانية، وضرورة الجهاد بالمال من أجل الوفاء بالاحتياجات العاجلة للشعب اللبناني، وإعادة إعمار ما ألحقه العدوان الإسرائيلي من دمار بمنشآته ومرافقه وبنيته الأساسية.
أما في حال وقف إطلاق النار فإن تجربة موقف هذا التيار من حرب العراق تشير إلى أنه سيطالب بالسلام، وتحريم الجهاد إذا لم يتم عن طريق أولي الأمر (أي الأنظمة السياسية).
الدعاة الجدد.. نريد المزيد
|
الدكتور صفوت حجازي |
ولكن يستثنى من ذلك بعض شيوخ هذا التيار؛ مثل الشيخ صفوت حجازي الذي خصص في برنامجه المعتاد على إحدى الفضائيات حلقة كاملة عن الحرب الإسرائيلية ضد لبنان، وأفتى فتوى بالغة الجرأة تتمثل في الدعوة إلى قتل الإسرائيليين المحاربين في أي مكان في العالم، ووجوب نصرة المسلمين لإخوانهم في لبنان وفلسطين.
ومع تطور الأحداث اتخذ أعضاء بارزون في هذا التيار مواقف أكثر تقدما مثل الداعية الشاب عمرو خالد، الذي أصدر بيانا يدعو قادة وزعماء دول العالم من أصحاب الضمائر بضرورة اتخاذ وقفة عالمية ضد الانتهاكات الوحشية التي تمارسها دولة الاحتلال ضد الشعبين اللبناني والفلسطيني، ويطالب الجيوش العربية والطائرات العربية والصواريخ العربية إلى دفع الاعتداء الذي يقع على الأراضي العربية، مشيرا إلى الآية الكريمة {وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنْكَ نَصِيرًا} (النساء: 75).
كما يشير البيان إلى ضرورة "قيام الهيئات الإغاثية المتخصصة بمد خطوطها فورا، دون تردد أو انتظار كي نؤدي ما علينا تجاه إخواننا وأخواتنا وآبائنا وأمهاتنا وأبنائنا وبناتنا في لبنان؛ فنداوي الجرحى، ونؤوي من تهدم بيته ونواري جثث القتلى". وكذلك أن "نبتهل إليه سبحانه أن يغيث المنكوبين، وأن ينتقم من المعتدين.. خاصة في وقت السحر إعمالا بقوله تعالى: {فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ * فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ} (القمر: 10-12).
ورغم ذلك فإن هذا التيار ما زال أمامه الكثير ليقدمه، خصوصا أنه يتسم دائما بالتحركات العملية، وله تأثير في قطاعات اجتماعية واسعة.
ومن الأدوار المطلوبة منه أن يتحرك لحشد الدعم المادي للشعب اللبناني والمعنوي لمقاومته من جهة، وأن يدعو أمته إلى الاستقلالية الفكرية والاقتصادية عن الأطراف الداعمة لدولة الاحتلال في هذه الحرب من خلال تبني سلاح المقاطعة، الذي أثبت فعاليته بالأمس القريب إبان أزمة نشر رسوم كاريكاتيرية مسيئة للرسول -صلى الله عليه وسلم- في صحيفة دانماركية؛ وهو ما أجبر بعض الشركات المتضررة حينها على الاعتذار عن نشر الرسوم، ودرب الناس في الوقت نفسه على تشجيع استخدام منتجاتهم الوطنية؛ وهو ما يعود بالنفع على اقتصاد البلاد.
التيار التقليدي.. تحول فارق
|
الدكتور محسن العواجي |
وظهر داخله فريق جديد يرفض فتح "ملفات" حزب الله بالتزامن مع الحرب الصهيونية على لبنان، داعيا إلى الوقوف بجانب الحزب، على اعتبار أن المشروع "الصهيو أمريكي" يستهدف قوى الممانعة والمقاومة، وفرض خريطة جغرافية سياسية على المنطقة العربية؛ وهو ما أدى إلى جدل ساخن داخل الأوساط الفقهية السعودية، ظهر بوضوح في التعليقات والحوارات في كثير من المنتديات على شبكة الإنترنت.
فبينما جهد التقليديون في التنقيب في وسائل الإعلام بحثا عن البيانات والفتاوى والمقالات والتحليلات والتعليقات وكل صغيرة وكبيرة تتحدث صراحة عن إدانة حزب الله، وتحمله مسئولية ما يجري، والتشكيك في نضاله.. نجد أن الفريق الجديد داخل ذلك التيار يدعو إلى وجوب التمييز بين الموقف العقدي والموقف السياسي، والتأكيد على أن الشيعة هم أهل قبلة، ولا يجوز بأي حال من الأحوال مساواتهم بالمشركين واليهود، والتلهي بالتحريض وشق الصفوف، وإطلاق التكفير على عواهنه. أما المقاومة الإسلامية اللبنانية فهم يقاتلون نفس العدو الذي نقاتله، وأحيوا الأمل لدى آلاف العائلات الفلسطينية في تحرير أبنائهم وبناتهم وأطفالهم من قبضة اليهود، وساندوا دائما الأخوة الفلسطينيين.. فلماذا نقف ضدهم؟ ولمصلحة مَن معاداتهم في هذا الوقت بالذات؟.
ولعل ما أدى إلى هذا التحول الفارق في صفوف التيار التقليدي هو مواقف بعض العلماء السعوديين؛ مثل الشيخ سلمان العودة والدكتور محسن العواجي التي دعت إلى مساندة الحزب في مقاومته لدولة الاحتلال، رغم كل الاختلافات الفقهية والسياسية، وهى المواقف التي اكتسبت زخما جديدا برأي الشيخ علي بن عمر بادحدح الذي كتب مقالا في موقع "الإسلام اليوم" 31 يوليو الماضي يعتبر فيه أن الوقت: "ليس مناسبا للمحاسبات المذهبية أو الطائفية؛ بل هو وقت ينبغي فيه التركيز على العدو الأكبر الذي يهلك الحرث والنسل ويهدد البلاد والعباد"، وأن موقف التأييد أو التحفظ يكون في إطار محدد ومتوازن، وبما يحقق المصالح، ويدفع المفاسد، وبناء على هذه القاعدة فإن الحزب يشترك مع المقاومة في فلسطين، ومع مصالح بقية الأمة في إلحاق الضرر بالعدو الصهيوني، وكل أذى ونكاية في هذا العدو مطلوبة ومرغوبة.
التيار الشعبي .. نحو استعادة الدور
لم يكتسب التيار الشعبي أصواتًا مؤيدة له داخل التيارات الأخرى فحسب؛ بل تحرك نحو استعادة دوره القيادي والتوجيهي؛ وهو ما ظهر بوضوح على عدة مستويات؛ بدءا من الدعوة على منابر المساجد لنصرة المقاومة، ومرورا بالمشاركة الفاعلة في التظاهرات الشعبية المنددة بالإرهاب الإسرائيلي، والتحذير من الفتاوى التي تحرم دعم حزب الله في معركته ضد دولة الاحتلال، وصولا إلى اتخاذ خطوات عملية في دعم المظلومين من الشعبين اللبناني والفلسطيني.
ويبرز في هذا السياق الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، الذي حذر في بيان له الخميس 27 يوليو الماضي من خطورة الانزلاق في "الدعاوى الخبيثة" التي تحاول إثارة النعرات الطائفية، والتفرقة بين السنة والشيعة، مشددا على أن كلمة "لا إله إلا الله" هي "القول الثابت الذي يثبِّتُ الله به الذين آمنوا، وهو الذي يضفي على قائله صفة الإسلام، وأن اختلاف الآراء وتعدُّدها ضمن إطار الإسلام الجامع هو من المزايا الإيجابية لهذا الدين"، وأن من واجب "أبناء الأمة الإسلامية بغضِّ النظر عن أعمارهم وبلدانهم ومذاهبهم وجنسياتهم.. دعم جهاد إخوانهم في لبنان وفلسطين بالنفس والمال واللسان والقلم".
ووجه الاتحاد نداء إلى مسلمي أوربا والولايات المتحدة الأمريكية، دعاهم فيه إلى أن يجعلوا يوم السبت 11 من رجب 1427 الموافق 5 أغسطس 2006 يوما للتظاهر استنكارا للعدوان الصهيوني الآثم، ومعارضة للدعم غير المحدود الذي تقدمه له الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا، داعيا المسلمين في هذه البلدان، والشرفاء كافة إلى التعبير السلمي المنظم عن مشاعر المساندة والتأييد للشعبين اللبناني والفلسطيني ولمقاومتهما المشروعة للعدوان والاحتلال الصهيوني.
كما أكد الدكتور يوسف القرضاوي -رئيس الاتحاد- أن المقاومة اللبنانية جهاد شرعي، وتمثل أشرف مقاومة على الأرض مع شقيقتها بفلسطين، وأن الشيعة جزء من الأمة الإسلامية، و"واجب" على كل مسلم نصرة هذه المقاومة ضد العدو الإسرائيلي، وأكد في حوار مع صحيفة "الوفد" المصرية الخميس 27 يوليو الماضي على أن "المقاومة أشرف ما في الأمة، سواء في فلسطين أو لبنان، ولا يضير المقاومة اللبنانية أنها من الشيعة؛ فهم جزء من الأمة الإسلامية؛ لأنهم من أهل: لا إله إلا الله، ويتفقون معنا في كثير من الأصول، وإن خالفونا في بعض الفروع".
وأشاد القرضاوي بتاريخ المقاومة اللبنانية التي "استطاعت تطهير الأرض المسلمة من الدنس الإسرائيلي، ولم يبق إلا مزارع شبعا التي سيحررونها إن شاء الله"، معتبرا أن "من مفاخر المقاومة اللبنانية ما قامت به من أسر جنود إسرائيليين بعدما كان الأسرى منا وحدنا، وفي سجون الاحتلال الآلاف من أبنائنا؛ فجُنَّ جنونها، حيث أوجعتها المقاومة وثأرت لكرامتنا".
كما اكتسب هذا التيار نفوذا قويا داخل الحركة الإسلامية، وفي أوساط العلماء الشرعيين؛ حيث أكد كل من جماعة الإخوان المسلمين ومجمع فقهاء أمريكا على وجوب دعم المقاومة اللبنانية بكافة السبل الممكنة، وتنحية الفروق المذهبية جانبا في أوقات الدفع، ورفض إطلاق أي فتاوى من شأنها أن تفت في عضد المقاومة اللبنانية أو تقلل من جهودها.
وعبر الطرفان عن ضمير التيار الشعبي بالمطالبة بأن يترك المسلمون الخلافات جانبا، ويقفوا مع حزب الله ويدعموه، وأن يتجهوا إلى الضغط على الحكومات حتى تقف موقفا موحدا ضد المخططات الإسرائيلية.
فهل يستكمل الدعاة حلقة تجاوز الخلافات المذهبية وتنحيتها جانبا، وأن يكونوا على قدر المسئولية المنتظرة منهم في حفز الهمم، وتوعية العقول، وتنقية الأفهام؟.. هذا ما سوف تثبته الأيام القادمة.


















