الإخوان من "البعبع" إلى الروح *
الإخوان والدولة
واضح تماما أن مسألة العلاقة بين الإخوان والدولة مليئة بالفجوات ودوائر الفراغ المستحكمة، فهي تعتبرهم -المدان تحت الطلب- وتنظر إليهم على أنهم خصم سياسي عتيد وعنيد، يمتلك أدوات قوية لتحقيق أهدافه بدءًا من الفكرة وانتهاء بالتنظيم. وهذا آخر سطر في صفحة تستطيع أن تملأها بأي كلام، من الجماعة المحظورة، إلى العداء التاريخي مع ثورة يوليو، إلى حزب ديني، إلى رعايتها للجماعات الإرهابية، إلى آخره. ولكن حقيقة الأمر تكمن في السطر الأخير.
من جهة الإخوان فهناك حالة من الاستعصاء الغريب على بناء علاقة سليمة مع الدولة، وهناك نوع من الفكر الكربلائي يملأ رءوسا كثيرة، وهناك حالة من إدمان الاضطهاد، وعلى خلفية كل ذلك ينظر إلى الدولة وأجهزتها. وعلى خلفية كل ذلك تقام الحوارات وتمتد الجسور، وهو كلام يحتاج إلى مراجعة دقيقة.
الإخوان والمجتمع
والعلاقة مع المجتمع لها عناوين كثيرة؛ فهناك الجماهير وهناك النخبة وهناك الأحزاب، ولا يسع أي وطني منصف وأمين مع نفسه ومبادئه إلا أن يقر ويشهد بحالة الود والاحترام التي يحملها الشعب المصري للإخوان، وهو أمر يمتد تاريخه إلى ثلاثينيات القرن الماضي، وهو يعود بالطبع إلى سلوكياتهم المستمدة من الأخلاق الإسلامية. والناس درجوا بالفطرة والعقل على حب واحترام أي إنسان متدين، فما بالك لو تقدم لهم بمبدأ "ما ينفع الناس"، وسار بينهم بالخدمات والمنافع ومثل ذلك، وهذا هو واقع الحال بين الجماهير والإخوان بلا أي تعقيد. ناهيك عن أن الناس قد ملت وضجرت من حالة الانتقال من شجن إلى شجن، ومن حلم إلى حلم، ومن وعد إلى وعد.
العلاقة مع النخبة متنوعة؛ فهناك نخبة عروبية الفكر والثقافة والموقف، وهؤلاء بينهم وبين الإخوان تواد وتواصل وأحيانا دعم ومساندة.
وهناك نخبة تميل قليلا إلى التأثر بالثقافة الغربية فكرا وسلوكا، وتميل إلى وزن الأمور بميزان الحضارة الغربية، بدءًا من العلاقة التي كانت بين الكنيسة والمجتمع في القرن الخامس عشر وما أسفر عنها من علاقة إقصائية بين الاثنين، وانتهاء بنمط الحياة كله، متغافلين عن أن التجربة الغربية خرجت من أحشاء واقع مرعب أفرزته الحروب الدينية والصراع المرير بين الملوك والباباوات، والذي انتهى بالانفصال القسري للدين عن الدولة.
ومن أسف أنهم يريدون أن يتمثلوا هذه التجربة التاريخية في واقعنا العربي، كما هي وبكل نتائجها باعتبار أنها مكتسبات إنسانية واكتشافات عقلية نهائية، وهو أمر غير منطقي وغير مقبول، ولن يسمح به أحد. فقد سئمنا منطق العيش مع الذئب والبكاء مع الراعي، وأحسب أن الأمر تشوبه نوازع نفسية غير طيبة، وعادةً "الثور الكسول لا يحب الثور الذي يرعى".
على أية حال هم الآن بعد التغير الدراماتيكي الذي شهده العالم على إثر غزو الكويت و11 سبتمبر في موقف غريب بعض الشيء.
العلاقة مع الأحزاب تكاد تكون الوجه الآخر للعلاقة بالنخبة؛ لأن الأحزاب كلها نخبوية وليست لها علاقة بكتل الجماهير العريضة، سواء لضعف الحياة السياسية وامتلائها بالعناكب والطحالب، أو لعدم توافقهم مع الجماهير.
وواضح للجميع الغربة التي تعيشها الأحزاب الآن. ولكن المؤكد أن هناك كثيرا من رجال الأحزاب القومية والليبرالية واليسارية يعتبرون الإخوان جزءا من صميم كيان الوطن، وهو ما سمعته بنفسي من الكثيرين.
تحضرني هنا قصة زياد بن أبي سفيان الذي شكك البعض في نسبه لأبي سفيان، وقد كان خطيبا رائعا وسياسيا بارعا وصاحب رأي ومشورة. فما كان من معاوية بن أبي سفيان إلا أن يؤكد نسبه إلى البيت الأموي ويقربه منه ويجعله إحدى دعائم حكمه!! هذا هو معاوية أستاذ السياسة في كل العصور كما يقولون، كان من الممكن أن يقصيه وينفيه، إنما دواعي الحكمة والمصلحة جعلته يفعل ما فعل.
ماذا لو تم النظر إلى جماعة الإخوان بهذا المنظور، ولحقوا بالدولة والمجتمع والحياة العامة وتحت سمع وبصر الجميع، وتم اعتبارهم قوة تضاف إلى قوة الوطن، وجلدك أقرب لك من قميصك كما يقولون.
مَن المستفيد من إقصائهم وإبعادهم ووضعهم دائما خارج أسوار المدينة ولهم داخلها دماء وأرحام وأنساب وبيوت وحدائق؟! ما المشكلة تحديدا؟!.. نظرية "لا تفتح بابا يعسر عليك غلقه" إن كانت صحيحة في الحياة الاجتماعية، فهي عين الخطأ في الحياة السياسية. بل عليك أن تفتح كل الأبواب بكل ثقة في النفس وبكل شرف.
هل سبب ذلك أن الخطاب الديني يستأثر بالمشاعر ويحسن مخاطبة العامة، وبالتالي فإن جماهيريتهم ستكون ساحقة ومنافستهم في أي مكان ستكون محسومة بأصوات الكتل الجماهيرية الضخمة التي تتبع خطابهم الديني؟ وهذا صحيح بدرجة ما، ويسجل هنا أن الناس "زهقت" من تعالي المثقفين عليهم والنظر إليهم من أعلى ومخاطبتهم بلغة لا يفهمونها، على أنه في الوقت ذاته لا يوجه اللوم للإسلاميين الذين يخاطبون الجماهير ببساطة وبلغة يفهمونها ويحسنون استقبالها.
الإسلام هو الحل، أم الدين؟!!
|
|
|
شعار الإخوان المسلمين |
على أية حال أنا أحد مَن تحفظوا على شعار "الإسلام هو الحل"، وكنت أرى أن الشعار الأنسب هو "صلاح الدنيا بالدين" المسلم بإسلامه، والقبطي بمسيحيته. فقط لنتفق على أن الدين هو النبع الفياض بالأخلاق السديدة والقيم الرشيدة والمجتمع الصالح بالإنسان الصالح، ويتبع كل ذلك الحكم الصالح.
وفى كل الأحوال فالمسألة ليست بالشعارات وحدها، إنما بتوفر الرجال الذين يؤمنون بالله ويخافونه، ويؤمنون بالناس ولا يخافونهم ولا يتملقونهم، ويبذلون من أنفسهم أكثر ما يبذلون لها.
على أنه من المهم بمكان أن تتم مقاربة هذه النقطة الحساسة من داخل الإخوان أنفسهم أولاً، وذلك بأن تصبح جماعة الإخوان أقرب إلى كونها روحا عامة وضميرا يقظا وعقلا رشيدا في وعي المجتمع كله، وتكتفي بأن يتخرج فيها رجالات عظام يمارسون العمل السياسي من خلال حزب مدني يضم ليبراليين وأقباطا ويساريين وكل المصريين الذين يقدِّرون دور الدين في بناء الأمم.. شيء أشبه ما يكون بالجمعية الفابية(1) وحزب العمال البريطاني، وتسير الأمور هكذا، وتكون الجماعة -كما أراد لها مؤسسها وكما يريد لها كل من يحبونها- روحا عامة تسري في المجتمع.
ويقوم رجالها وعلماؤها والمنتمون إليها بتأليف رجال كما كان يصف الأستاذ البنا دوره الذي اختاره لنفسه بديلاً عن تأليف الكتب والمراجع.
وبذا تكون الحركة نحو المجتمع في خط والحركة نحو السياسة في خط، وأرجو أن أكون أوضحت وأبنت هذه النقطة إيضاحا ينتفي معه كل لبس.
في أحد أيام يناير الماضي دعاني د. عبد المنعم أبو الفتوح لحضور مسرحية "الملك لير"، وكان المسرح القومي يعرضها وقتها، وذهبنا معا، وفي الاستراحة اقترح د.عبد المنعم أن نذهب إلى حجرة الفنان يحيى الفخراني نسلم عليه ونهنئه على أدائه، وكم كانت دهشة الفنان يحيى الفخراني وفرحته بهذه الزيارة، وهو غير متصور أن قياديا إخوانيا بهذا الحجم يحضر عرضا مسرحيا.
وأنا أتفق مع الفنان يحيى الفخراني في دهشته، فالفجوة التي نشأت بين الإخوان وبين قطاع عريض من الفنانين والمثقفين بها الكثير من الأكاذيب والافتراءات على موقف الإخوان من مظاهر تطور الحضارة الإنسانية.
وأحسب بلا غرور ولا تواضع أنني أحد أعلم الناس بفكر مدرسة الإخوان التي دشنها الأفغاني والكواكبي وعبده ورضا وحملها حسن البنا إلى الدنيا والناس باقتدار وحكمة، وأعاد شق طريق كاد ينطمر، كما يقول المستشار البشري.
لذلك أجدني شديد اللوم على الإخوان كونهم قصروا بشدة في التواصل الصحيح مع المثقفين والفنانين، وقد روى لي أحد ثقات الإخوان الكبار أن الأستاذ البنا ذهب يوما إلى الفنان أنور وجدي -وهو يصور أحد الأفلام حين تصادف وجودهما في مكان واحد- ليسلم عليه.
وأتصور أن المشكلة تكمن في غياب عدد كبير من القيادات الحالية للإخوان في المعتقلات لفترة طويلة أثرت كثيرا على الوصل الكامل الصحيح بين فكر الإخوان وحال المجتمع. وغاب عنهم التطور الطبيعي في الحياة الطبيعية، وما يصاحبه من نضج واكتمال.
وقد كان د. القرضاوي صائبا تماما حين دعا الإخوان إلى انتخاب أحد جيل السبعينيات مرشدا لكونهم أقدر على فهم عصرهم وجيلهم (ولا أدري حقيقة لماذا لم يتم العمل بنصيحة رجل بقيمة وعلم وتاريخ القرضاوي!!). فالحياة تتغير وتتجدد، بل إن الكون كله خاضع لعملية تغيير دائم (يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شيء قدير)، لذلك فمن الطبيعي أن يواكب الناس هذا التجدد وهذا التغيير.
والتجديد لا يتطرق إلى صلب المضمون، ولكنه تجديد في وسائل الحركة بهذا المضمون ووسائل التعبير عن هذا المضمون، وإذا كانت العبادات لا اجتهاد فيها مع النص، فإن في المعاملات كل شيء مباح إلا ما حُرِّم بنص.
نصيحة للجميع
أتصور أن الدعوة إلى مؤتمر وطني لبحث وضع جماعة الإخوان في الوطن ستكون أمرا مهما جدا. على أن يتم في ختامه الاتفاق النهائي على وضع إجابات نهائية مكتوبة عن أسئلة أصبح تكرارها ممجوجا إلى درجة الغثيان، مثل: وضع المرأة، وفكرة الديمقراطية، وضمانات تبادل السلطة، واستقرار مفهوم المواطنة والدولة الوطنية، والأقباط وكيفية دمجهم تماما في المجتمع كأصحاب وطن وليسوا شركاء فيه.
ويحضر هذا المؤتمر القيادات الحركية والفكرية الفاعلة والتي تحظى برصيد واحترام لدى الإخوان ولدى المجتمع. ويتم الحسم القاطع والنهائي؛ لأنه موضوع ما زال به بعض التشكك. ويُغلَق هذا الملف تماما، ويُصرَف الجهد إلى مشاكل الوطن الإستراتيجية، من الإصلاح السياسي إلى التنمية إلى التعليم إلى الصحة إلى الأمن القومي والإقليمي.
أرجو أن تكون كلماتي أسمعت كل ذي أذن، وأوضحت لكل ذي رشد وأبانت لكل ذي ضمير. فالسنوات القادمة خطيرة ويجب الانصراف الكامل خلالها إلى الأولويات القصوى لحفظ الوطن وصونه.
(1) الجمعية الفابية: منظمة إصلاحية إنجليزية، تأسست سنة 1884 وقد أطلق عليها اسم قائد من القادة العسكريين الرومانيين في القرن الثالث قبل الميلاد فابيوس مكسيموس. وكان أعضاء الجمعية الفابية في معظمهم من المثقفين البرجوازيين، من العلماء والكتاب والسياسيين، وكانوا ينكرون ضرورة نضال البروليتاريا الطبقي والثورة الاشتراكية، ويعلنون إمكانية الانتقال التدريجي من الرأسمالية إلى الاشتراكية عن طريق الإصلاحات الطفيفة فقط.
* نقلا عن جريدة "العربي" المصرية، العدد 987، الصادر بتاريخ 4/12/2005، بتصرف يسير جدا.


















