أرسل لصديق ||

"طيبة" المشايخ.. هل تنفع في السياسة؟

هل كلهم صالحون لممارسة السياسة ؟
هل كلهم صالحون لممارسة السياسة ؟
الإسلام دين من أهم خصائصه: الشمول، لا يشك في ذلك مسلم، فهو دين يُعنى بأحوال الإنسان وحياته وكل ما يمت لها بصلة، وينظم هذه الحياة، وفي ذلك يقول تعالى: {قُلْ إنَّ صَلاتِي ونُسُكِي ومَحْيَايَ ومَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِين} (الأنعام: 162). فالإسلام ينظم شئون الإنسان الدينية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وفق ما بينه الشارع الحكيم من حلال وحرام، وما يجوز وما لا يجوز في حياة المسلم.

ولكن هل يعني شمول الإسلام لكل هذه المناحي في الحياة أن يكون الفقيه المسلم أو الداعية المسلم شاملا كذلك، فيفتي ويصرِّح ويدلي بدلوه في كل ما يخص شئون الحياة من اقتصاد وسياسة وعلم وفن، سواء كان له علم بذلك أم لا؟.

شمول الدعوة لا شمول الداعية

إن شمول الدعوة لا يعني شمول الداعية، بل لا بد من التخصص المبني على الدراسة والخبرة هنا؛ فالفقيه لا يستطيع أن يفتي بحرمة شيء يستخدم في الطب إلا بعد العودة إلى الطبيب الثقة في دينه وعلمه، والمتمكن في تخصصه، وهكذا في كل تخصص؛ ففتوى الفقيه هنا تأتي بعد فتوى الطبيب لا قبلها، بل هي مبنية على علم الطبيب وقوله.

قدمت بهذه التقدمة لأننا نلاحظ في هذه الآونة اشتغال عدد من المشايخ بالسياسة تصريحا وإفتاء، بل ربما ساقتهم التصريحات إلى العمل بالسياسة نفسها، وقد دخلوا حلبة ليسوا فرسانا فيها، ولا من المتمرسين فيها، وفي أحيان كثيرة يتورطون في تصريحات أو آراء تتسم بعدم الدقة والمنهجية، ومجانبة الصواب، ولست أعني بذلك ألا يكون للعالم أو الداعية دور سياسي وطني في بلده، من حيث معارضة ما يخالف دينه وعقيدته، بوسائل المعارضة التي يجيزها الإسلام، ولكني أعني بذلك: ما يحدث من تورط عدد من الدعاة والمشايخ في علاقتهم بالسياسة تصريحا واشتغالا؛ فالسياسي يمتلك من أدوات اللعبة السياسية ما لا يمتلكه كثير من المشايخ، والسياسي قد تحكمه قيم غير قيم الداعية، ويسيِّره فقه غير فقه الداعية.

إن المواقف التي تحتاج إلى رأي السياسي نراه غالبا هو القادر على حسم القرار فيها، وعلى حسن التصرف، بخلاف الداعية أو الفقيه، فإنه تحكمه أمور تجعل حكمه -في كثير من الأحيان- مجانبا للصواب. ولأضرب بذلك نماذج من الماضي من تاريخنا الإسلامي، والحاضر القريب من تاريخ الحركة الإسلامية، ليتضح ما أقصده في حاضرنا الآني.

مواقف من التاريخ

في عهد الخليفة الراشد الأول أبي بكر الصديق رضي الله عنه، حدث ما هو معروف من ردة عدد من العرب ليس بالقليل، ومنعهم للزكاة، وكان أمره بتجييش الجيوش لملاقاة المرتدين ومانعي الزكاة، وكان ممن منعوا الزكاة: مالك بن نويرة اليربوعي سيد بني ثعلبة، فتوجه إليه جيش المسلمين بقيادة خالد بن الوليد رضي الله عنه، فأغاروا عليهم وهزموهم، وأسروا مالكا وبعض رجال معه.

وقد دار هذا الحوار بين مالك وخالد رضي الله عنه، قال مالك: أنا آتي الصلاة دون الزكاة.

فقال خالد: أما علمت أن الصلاة والزكاة معا لا تقبل واحدة دون الأخرى؟

قال مالك: قد كان صاحبكم يقول ذلك.

فقال خالد: أو ما تراه لك صاحبا؟! لقد هممت أن أضرب عنقك.

ثم طال بينهما الجدال والحوار وكان عبد الله بن عمر وأبو قتادة الأنصاري حاضرَين، فكلَّما خالدا في أمره، فلم يسمع لهما، وأمر بضرب عنقه، وهنا ثار جدل كبير بين الفقيه العالم ممثلا في أبي قتادة وعبد الله بن عمر، وبين السياسي العسكري ممثلا في خالد بن الوليد، أكان الأولى أن يتركه ويمضي إلى حال سبيله، معملا حسن الظن فيه، ويكتفي منه بذلك، تاركا حدسه وفراسته كعسكري وسياسي في معرفته بالرجال، وأخذ الحذر، وهذا هو مذهب الفقيه العالم عبد الله بن عمر ومعه أبو قتادة، وهو رأي عمر بن الخطاب عندما وصله خبر قتل خالد لمالك.

أما خالد فهو يعلم من هو مالك بن نويرة جيدا، فهو المطاع في عشيرته، المسموع الكلمة فيهم، وهم ألوف كثيرة، وفيه من الصفات التي تجمع الناس حولها، وتؤثر في توجهاتهم، وهو إلى جانب ذلك صاحب يد طولى على قومه، مشهور بالكرم والجود، ولكنه مع شمائله هذه غير مأمون على دعوة الإسلام، ولا قائم بحقها، ولا مهتم بها، فقد كان أول من منع الزكاة، وأول من لبَّى نداء سجاح المتنبئة، وسفك دماء ضبة غير راحم لهم -وهم أبناء عمه- بدون إثم ولا جريرة، إلا أنهم خالفوه في الرأي، ولم يسلموا لسجاح ما تدعيه من نبوة، وكان يخاطب خالدا عن النبي صلى الله عليه وسلم فيقول: "قال صاحبك"، وهو تحت السيف، ويساوم في دينه فيقول: أؤدي الصلاة دون الزكاة.

كل هذا وخالد على عزمه غزو اليمامة، وقتال مسيلمة وبني حنيفة، وهم قوم أولو بأس شديد كما أثبت الواقع ذلك. فكيف يكون الشأن لو ترك خالد وراءه رجلا كمالك غير مأمون العاقبة، ثبت من أمره ما ثبت، وغير بعيد أن ينتهزها فرصة وينقلب مرة أخرى، فيقع خالد وجيشه بين نارين: مسيلمة وبني حنيفة أمامه، ومالك وبني تميم خلفه؛ فالرأي والمكيدة والحرب إذن، وهذا ما ذهب إليه خالد، فقام بقتله. وكان في قتله ما كان من خلاف، إلا أن أبا بكر رضي الله اقتنع برأي السياسي المحنك، ولم يجد وجاهة قوية عند رأي الفقيه عمر وابن عبد الله وأبي قتادة، رضي الله عن الجميع.

ففي هذا النموذج رأينا أنه لا معنى لإمضاء رأي الفقيه أو الداعية في أمر عسكري بحت، وبخاصة أن قائد الجيش ممن لا يُتَّهم في دينه وخلقه، وهو ما أشرنا إليه في أول المقال، فقد عرف خالد بحنكته العسكرية والسياسية، كما دل على ذلك تاريخه وغزواته ومعاركه، ولم يعرف عنه أنه روى أحاديث، اللهم إلا النزر اليسير، أو عني بذلك، أو فسر القرآن، أو أفتى فتوى واحدة رضي الله عنه، فهو تخصصه إذن. والشاهد هنا: أن عمر بن الخطاب وبقية الصحابة شكوا فعل خالد لأبي بكر رضي الله عنهم، وعندما سمع أبو بكر رأيه وحجته اقتنع بها، فقال لهم: "كفوا لسانكم عن خالد، فوالله لن أغمد سيفا سله الله على أعدائه"، فسكتوا جميعا، ووسعهم السمع والطاعة. وهو نموذج واضح في ترك الأمر لأهله.

وفي العصر الحديث القريب رأينا أن العلاقة بين السياسة والمشايخ والفقهاء، تنتهي لصالح السياسي، فمن النماذج المعاصرة القريبة، ما حدث من خلاف سياسي بين جماعة "الإخوان المسلمين" وجمال عبد الناصر الرئيس المصري الراحل، وأدى النزاع والخلاف إلى مظاهرات لم تنته، إلى أن وصلت من قوتها إلى قصر عابدين مقر الحكم، وكانت في مقدورها أن تغير من إدارة ثورة يوليو آنذاك، وكان قائد هذه المظاهرات هو المرحوم الفقيه القانوني القاضي عبد القادر عودة، وهو رجل مشهود له بالعلم الغزير، والخبرة القانونية المحنكة، إلا أنه ليس سياسيا بارعا كبراعته في الدعوة والفقه والقانون، ورغم عبقريته في العلم، فإنه لم يؤت نفس الحظ في السياسة، وهنا حدث ما عنيت به في مقالي هنا، وهو الخلل الذي يصيب الدعوات في مقتل، أو يوقعها في موقف حرج، هو بالنسبة لها من المواقف المفصلية في تاريخها، فقد أمر عبد القادر عودة الجماهير الثائرة الغاضبة على دكتاتورية الثورة آنذاك، والمطالبة بإصلاح حال البلاد، بالانصراف، ولان عبد الناصر قليلا حتى يتمكن من خصومه (الإخوان المسلمون) وقد كانوا أكبر قوة شعبية -مع قوة حزب الوفد- ضد عبد الناصر.

وانتهى الصراع بين الدعاة أو المشايخ والسياسي، بأن رجحت كفة السياسي، والسبب: أن تولى زمام العلاقة داعية فقيه، ليس له في إدارة الصراع السياسي نصيب، فلو أنه ترك ذلك لغيره من أهل الخبرة لربما تغيرت نتيجة الصراع.

بمقارنة بسيطة بين الطرفين (عودة وعبد الناصر) نعرف عوامل الانتصار في هذا الصراع لدى الطرفين، فالأول (عبد القادر عودة): قاض، قانوني، فقيه، رجل كل تعامله مع القوانين وسيادة القانون، وهو يجلس بين المتخاصمين ثم يقول كلمته بالبراءة أو الإدانة.

والثاني (جمال عبد الناصر): رجل سياسي عسكري، كان يدرِّس في الكلية الحربية مادة "التكتيك الحربي" وفن إدارة الصراع. فأهداف ووسائل طرفي الصراع مختلفة تماما عند كل منهما.

ومن أكبر الأخطاء السياسية التي ارتكبها "الإخوان المسلمون" في بداية الثورة، وعبرت عن دخولهم لعبة السياسة دون إتقان جيد لأدواتها ووسائلها وبرامجها، هو تأييدهم لإلغاء الثورة للأحزاب وفرحهم باستثنائهم من هذا الإلغاء!.

المشايخ طيبون!

ونفس السيناريو يتكرر عندما يدخل الداعية اللعبة السياسية ظنا منه أن قاعدة الجماهير العريضة بما أنه أتقن مخاطبتها، وإقناعها، فهو يصلح أن يكون سياسيا، فهو مسموع الكلمة: عندما يقول: حرام أو حلال، وهو مسموع الكلمة عندما يعظ أو ينادي في الناس: أن عليكم بكذا، واتركوا كذا.

ولذا نرى أن خوض الداعية أو الفقيه أو العالم المسلم غمار السياسة الحزبية، أو السياسة بوجه عام -تحليلا أو إبداء رأي، أو الدخول في معتركها– قد لا يكون في صالحه أبدا، فالمشايخ -من اختلاطنا بهم وتتلمذنا على أيديهم– طيبون بحكم تكوينهم الدعوي، تحكمهم العاطفة، وهي من عوامل الضعف في العمل السياسي، وللأسف يقع الداعية فريسة ولقمة سائغة للسياسي؛ فالمشايخ إرضاؤهم سهل وهين، بوجه طلق، وكلمة حلوة من طرف اللسان، يخرج ليعلن أنه أتى من عند أكرم الناس، ومن عند خير من حكم البلاد!!.

عيوب عمل الداعية بالسياسة

من عيوب العمل السياسي للداعية: أنه يخسر شريحة كبيرة من جمهوره؛ حيث إن عمله السياسي يضطره للانحياز صوب فئة معينة.

وكذلك من عيوبه: أنه يستهلك وقت الداعية، وتخسره الساحة داعية أو عالما، بينما لا نربح سياسيا محنكا، وفي النهاية نصل إلى شخص لا هو بالداعية العالم المتمكن، ولا هو بالسياسي المحنك، بل إن كثيرا من خطاب الدعاة والمشايخ السياسي غير مقنع علميا، وأحيانا يدعو لسخرية المتخصصين من أهل السياسة.

أخلص من ذلك: إلى أنه إذا أرادت حركة إسلامية أن تخوض غمار السياسية فلا بد من عمل مؤسسي، لا يعمل كل داعية برأسه، وأن يكون العمل قائما على أهل الخبرة في ذلك.

أو أن نكل أمر السياسة عملا وتصريحا إلى المتفننين في السياسة ممن لهم حسن صلة بالله، والتزام بالإسلام عملا ودعوة.

شارك في ساحة الحوار حول هذا الموضوع:


تخرج من كلية الدعوة الإسلامية وله أنشطة في الدعوة بشتى فروعها، ومجالاتها . للمزيد