أرسل لصديق ||

لا سياسة في الدعوة.. كلاكيت ثاني مرة

Image
فوجئت بالضجة التي أثارها مقالي المنشور على هذه الصفحة من موقع "إسلام أون لاين.نت" والذي كان عنوانه لهذه الأسباب.. لا سياسة في الدعوة! حيث تم نقله لاستطلاع رأي جمهور الموقع في ساحة الحوار، وأسعدتني هذه الضجة أو الاهتمام، وأسعدتني وأفادتني التعليقات والتعقيبات سواء كانت مع -وهي أقلية- أو ضد - وهي أغلبية الردود.

أسعدني ذلك؛ لأنني أعتبر أن جزءا من أزمة المثقفين أو المفكرين أنهم يتعاملون مع أفكار مجردة قد تتراكم لكن من طرف واحد بعيدا عن الأثر التفاعلي بين الكاتب والمتلقي، وأن الفائدة الكبرى التي تقدمها شبكة الإنترنت هي صنع هذا التواصل بين الكاتب وبين قرائه بحيث لا يظل الكاتب في معزل أو برج عاجي بعيدا عن التفاعل مع الواقع، ولقد كنت عددت عشرة أسباب لرفضي هذا الانخراط للدعاة في العمل السياسي، ونوهت في بداية المقال على أن السياسة جزء لا يمكن فصله عن الدين، وعلى أن الدعاة واجبهم الشرعي وحقهم الدستوري مكفول في ممارسة العمل السياسي باعتباره حقا للمواطنين، وأكدت في خلال المقال على أن العمل السياسي ذاته من أفضل أنواع الجهاد باعتباره جهادا مدنيا لمنع الظلم والفساد؛ ولذا فأنا أثمن دور السياسيين الإسلاميين أفرادا وجماعات، ولم أطالبهم أبدا بالتخلي عن ممارسة جهادهم السياسي المشروع.

وسجلت كذلك في مقدمة المقال أن أسباب رفضي لانخراط رموز الدعاة في العمل السياسي الحزبي والتنظيمي أسباب مرحلية وليست مبدئية، أي أنها ليست لازمة ولا ملزمة لكل عصر ومكان، ولكنها أسباب مرحلية تتعلق بظروف سياسية وزمانية ومكانية معينة، كل هذا يجعلني أتفق بشدة من حيث المبدأ العام ومن حيث الطرح كذلك مع أغلب ما جاء في ردود من خالفني الرأي، حتى الذين اتهموا الأفكار والأسباب التي قدمها المقال بالجنوح إلى العلمانية بشكل أو بآخر.

أين المشكلة إذن؟

لم تكن هناك مشكلة من خلال هذا الطرح في اشتغال الإسلاميين بالعمل السياسي، ولكن كانت المشكلة هي طرح فكرة فصل الدعوي عن السياسي، وهي قضية لستُ أول من أثارها، وهي مطروحة ومثارة بالفعل، ويدور حولها نقاش وجدل، ولقد جاء مقال الدكتور عصام العريان في إسلام أون لاين-وهو واحد من أبرز رموز تيار الإسلام السياسي- مؤكدا على رؤية الإخوان أو استعدادهم لفصل السياسي عن الدعوي في ظروف سياسية معينة تتسم بالانفتاح وقبول الآخر؛ لتؤيد وجهة نظري حول هذا الأمر.

والحقائق التي خرجت بها من خلال تلك المناقشات التي دارت سواء في ساحة حوار إسلام أون لاين أو في منتديات حوارية أخرى، تعتبر من وجهة نظري جديرة بالدراسة ربما أكثر من القضية الأم وهي قضية السياسي والدعوي.

حقائق لافتة

ومن هذه الحقائق اللافتة بشدة:

1 - اختلاف الأسماء أو المصطلحات يؤدي إلى اختلاف في الرأي قد يصل إلى حد الانقسام حول قضية واحدة، رغم اتفاق المنقسمين في المسميات ذاتها أو في الرؤى المطروحة، وأؤكد أنني أتفق مع أغلب ما جاء في ردود من خالفني الرأي، وأن الاختلاف لم يكن في حقيقته سوى اختلاف على المصطلحات.

2 - غياب المنهجية في التلقي والتعاطي مع الأطروحات والأفكار والقضايا، حتى لكأنما تغيب عنا منهجية القراءة ذاتها، فمثلا في مقالي -المثير للجدل- اقتصر حديثي عن الدعاة البارزين فقلت: "غير أن حيثيات رفضي لاضطلاع رموز الدعاة خاصة النجوم البارزين منهم بأعمال وأعباء السياسة ينبني على طبيعة المرحلة التي نعيشها"، ولقد كان العنوان الأساسي للمقال: "لماذا أرفض انخراط الرموز الدعوية في العمل السياسي؟" والذي تم تغييره عند النشر في موقع إسلام أون لاين إلى: "لا سياسة في الدعوة"، وهذا اجتهاد من قبل المشرفين على الموقع، علما بأنهم وضعوا العنوان الأول -الذي هو من اختياري- كجملة افتتاحية في المقال، فالمقال إذن يتحدث عن الرموز الدعوية، بل النجوم المشهورين من الدعاة، فمن عنيت هم أسماء مثل: الدكتور القرضاوي، وطارق سويدان، وعمرو خالد، وسلمان العودة، وعمر عبد الكافي، ووجدي غنيم، وراغب السرجاني -على سبيل المثال وليس الحصر- فلم يكن المقال معنيا بفصل الدين عن السياسة.

والقصور في المنهجية وفي المصطلحات معا يظهر كذلك إذا ظن المعترضون أن المقال يقصد عصام العريان، وعبد المنعم أبو الفتوح، ومحمد حبيب، وخيرت الشاطر، وليث الشبيلات، فكل هؤلاء وغيرهم رموز إسلامية سياسية وإدارية وتنظيمية ومهنية، لكنهم ليسوا دعاة، وإنما أصحاب مشروع إسلامي، فالداعية غير العالِم، وهما غير المفكر، وكلهم غير الأديب، وهؤلاء جميعا يختلفون عن السياسي. فالداعية المؤثر دعويا غير السياسي الملتزم بأخلاق الإسلام، فإن الذين يمارسون العمل السياسي على خلفية إسلامية هم سياسيون ملتزمون، وليسوا بالضرورة دعاة وعلماء دين.

يظل غياب المنهجية في القراءة، وبالتالي في التعقيب والرد والنقد مسيطرا، حين يظن القارئ أن المقال ينكر على الدعاة الاهتمام بالشأن العام بما فيه الشأن السياسي، لكن المقال طالب بأن يبدي الدعاة آراءهم لكن لا يجعلون من أنفسهم خصوما سياسيين للتيارات السياسية الموجودة على الساحة؛ لأن الداعية يبقى الأب الروحي والموجه والناصح للجميع، ودوره من وجهة نظري أعم وأشمل من الجميع. كل هذا جاء بعبارات واضحة منصوص عليها صراحة في المقال -خوفا من اللبس والتعميم والغموض-، ورغم ذلك أثار المقال كل هذا التناقض في الردود والتعقيبات، رغم أن مشرفي صفحة دعوة ودعاة قد وضعوا ملخصا له في ساحة الحوار، وكان هذا الملخص أمينا ومشددا على الضوابط التي وضعها كاتب المقال.

3 - ما زلنا في حواراتنا الإسلامية الإسلامية نحاكم النوايا، ونقرأ ما وراء السطور، ولكن بطريقة قد تكون مغلوطة، ونصنف اتجاهات الكاتب قبل أن نحلل مكونات أو عناصر فكرته أو دعوته أو مقاله، وبالتالي إما أن نظل ندور في حلقة مفرغة، أو نتجادل فيما نحن غير مختلفين عليه، أو نصنع عداوات شخصية مع أناس لم يقصدوا الإساءة.

الملحوظة الأخيرة

أن المقال تمت كتابته في معرض الرد على استفتاء طرحه موقع "إسلام أون لاين" حول رأي الجمهور في توجه عمرو خالد نحو العمل السياسي الحزبي - وهي الإشاعات التي ترددت وقتها ونفاها عمرو خالد لاحقا -فكان هذا المقال مواكبا- وقت كتابته وإن تأخر نشره في الموقع- لهذا الاستفتاء، وحمل تحذيرا مبنيا على أسباب الكاتب من هذا الاتجاه، وجاءت بعض الأسباب منصبة تماما على عمرو خالد الذي يلقى قبولا من جميع الاتجاهات وخوفا عليه من خسران جمهوره الدعوي وانحصاره في الجمهور السياسي.

وفي الختام أنا سعيد جدا بإتاحة موقع إسلام أون لاين لفرصة الحوار حول هذا المقال -الأمر الذي نفتقده في الصحافة الورقية-، فالحوار التفاعلي هو أقرب الطرق لعلاج أخطاء المنهجية من قبل الكاتب والمتلقي على السواء؛ ولذا فسعادتي غامرة بنشر هذا المقال وتوابعه في الموقع، وتفوق بكثير نشر أي مقال سابق لي في المجلات والصحف المطبوعة.

شكر الله لجميع المتحاورين مؤيدين ومعارضين لما طرحت في المقال، وشكر الله تعالى للقائمين على موقع إسلام أون لاين وأجزل لهم الثواب.


  كاتب مصري مقيم بالسعودية.