أرسل لصديق ||

لهذه الأسباب.. لا سياسة في الدعوة!

Image
أرفض انخراط الرموز الدعوية في العمل السياسي، وأنوه بداية على أن هذا الرفض لا يعني استثناء السياسة من الدين ولا الشريعة الإسلامية، فالسياسة بكل أبعادها هي جزء لا يتجزأ من الحياة، وبالتالي فهي جزء لا يتجزأ ولا يمكن فصله تعسفيا عن الإسلام الذي أنزله الله تعالى لإصلاح الحياة الدنيا، وصولا إلى رضوانه تعالى في الحياة الآخرة، كما يوجه الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم: "واحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللهُ إلَيْكَ" [سورة المائدة: 49]، ورفض القرآن الكريم لفعل أقوام سابقين "أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتَابِ وتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إلا خِزْيٌ فِي الحَيَاةِ الدنْيَا ويَوْمَ القِيَامَةِ يُرَدونَ إلَى أَشَد العَذَابِ ومَا اللهُ بِغَافِلٍ عَما تَعْمَلُونَ" [سورة البقرة: 85]، وليس كذلك اعتراضا على حق ثابت من حقوق الدعاة، باعتبارهم مواطنين في دولهم ومجتمعاتهم، من حقوقهم البديهية المشاركة في تسيير أمور تلك الدول والمجتمعات، فهذا حق أصيل لهم يكفله لهم الدستور باعتبارهم مواطنين، فضلا عن كونهم أصحاب رؤى إصلاحية تؤهلهم للنجاح في هذا المعترك حين يفشل الآخرون.

دور من أدوار

ورغم يقيني بأن الداعية مثله مثل كل مصلح في الحياة يستطيع أن يكون متعدد الأدوار والوظائف في المجتمع، ومن هذه الأدوار أن يتقمص الداعية دور السياسي محاولا "أسلمتها" أو صبغها بالأخلاق والقيم النبيلة الراقية، في حين يلعب في الوقت نفسه أدوارا أخرى على مسرح الحياة، فهو الواعظ أو المفكر أو الأب المربي أو العامل المنتج.

غير أن حيثيات رفضي لاضطلاع رموز الدعاة - خاصة النجوم البارزين منهم - بأعمال وأعباء السياسة ينبني على طبيعة المرحلة التي نعيشها، والتحديات التي تواجهها الدعوة، والفكر السائد في المجتمعات الإسلامية والعربية، وكذا التحدي القائم من قبل الأنظمة، فهو مبني على الواقع وليس على الحكم الشرعي أو الحق الأصيل، فهو أقرب في هذا إلى الفتوى لا إلى الحكم، ولست بمؤهل للفتوى بحال ولكنه مجرد تشبيه للتقريب.

ومن المعلوم أن أحكام الإسلام ثابتة بينما الفتوى تتغير بظروف الزمان والمكان والمستفتي، تماشيا مع المصلحة، وتقاربا مع روح النص أو الحكم الإسلامي الأصيل.

حيثيات الرفض

أما أسباب رفضي لانخراط رموز الدعوة المعاصرة في العمل السياسي، وهي الأسباب الواقعية المتغيرة بتغير الظروف وليست الأسباب المبدئية الحاكمة فهي:

1 – تخوف الناس من السياسة وابتعادهم عنها:

لست الآن في موقف المؤرخ الذي يرصد بداية الظاهرة ويحللها، ولكن عدة شواهد تؤكد على أن الفترة الاستعمارية عملت على إبعاد الناس عن ممارسة السياسة بمفهومها الوطني، وحصر اهتماماتهم في شئونهم الشخصية الضيقة، وإبعادهم عن مجالات العمل العام، وكذا كل اهتمام بالشأن العام، وتعميق السلبية، وضرب روح الإيجابية داخل الشعوب، وذلك بالتنكيل بهم، حيث من البديهي ألا يسود الاستعمار إلا في غياب هذه الروح الإيجابية الوطنية والعمل العام، ثم توالت الأنظمة القمعية والاستبدادية فعملت على تعميق هذا الشعور، حتى عزفت الشعوب عن المشاركة السياسية وأصبح شعارهم "فر من السياسي فرارك من المجذوم"، لأن السياسي من وجهة نظرهم لا يعدو أن يكون أحد اثنين، فهو إما عميل للحكومة يتكلم بلسانها، فهو عندهم في حكم المنافق المداهن لتحقيق مصالحه غير المشروعة، وإما معارض عرضة للبطش والتنكيل به، هو وكل من يعرفه ويتعامل معه!.

2 – الفصل بين العمل السياسي والعمل الدعوي:

في ظل هذه الأجواء فإنه لا بد من إعادة الثقة إلى الشعوب أولا في أن الأولويات تقتضي عودتها لدينها: فرائض وقيما وأخلاقيات ومعاملات في المقام الأول، قبل الانخراط في العمل السياسي، وأن الدعاة ليسوا سياسيين بالضرورة، وأن التدين ليس مرادفا للعمل السياسي، أو تقديم التدين أو الإسلام الاجتماعي كنموذج المرحلة الراهنة، وهذا هدف مرحلي لكنه جوهري كذلك؛ لأن الإصلاح العام يبدأ بالإصلاح الاجتماعي دون شك، حتى إن الإمام البنا – مؤسس تيار الإسلام السياسي الحديث - جعل إصلاح الفرد والأسرة والمجتمع مقدما أو مقدمة طبيعية للإصلاح السياسي فجعل المجتمع قبل الحكومة"".

3 – العمل على إعادة الشعوب إلى روح الإيجابية:

وذلك بتشجيعهم على الانخراط في العمل العام وممارسة التدين، ولا بد أن نجنبهم في هذه المرحلة – مرحلة الحضانة في العمل العام – الاصطدام بالحكومات ما أمكن إلى ذلك سبيلا؛ لأن الصدام مع الحكومات وتعرض الشعوب أو فئات منها للقمع والاضطهاد قد يؤدي إلى إزكاء روح التحدي عند البعض، ولكنه في الغالب الأعم يؤدي إلى انتكاسة في العمل العام والإيجابية الشعبية والروح الوطنية.

ولا بد من إدراك الشعوب بأن العمل السياسي جزء من العمل العام، وليس كل العمل العام، وأنها يمكن أن تمارس العمل العام والعمل التطوعي في مجالات مختلفة ليست سياسية بالضرورة.

4 – التشويه والتشكيك الإعلامي:

فالإعلام الرسمي يحاول الخلط بين دعوات الإصلاح السياسي والمعارضة السياسية – وهي حق مشروع للمواطنين – خاصة المبنية على أسس الإسلام، وبين السعي للوصول للحكم والسلطة بأي طريق، ورفع شعارات الدين من أجل السياسة، ودغدغة المشاعر الدينية للجماهير لكسب تأييدهم السياسي، والتركيز على أن عمل هؤلاء هو لتحقيق مكاسب ذاتية ومنافع شخصية في حال وصولهم للسلطة.

ولا نريد أن يكون كل داعية هو موضع شك أو تشكيك إعلامي، وحرص طائفة من الدعاة على الترفع عن ممارسة العمل السياسي يساهم في إزالة هذا الخلط المتعمد.

5 – "الإسلاموفوبيا" عند الحكام:

وقد تنبع حالة "الإسلاموفوبيا" أو الخوف من تنامي الدعوة الإسلامية لدى الحكومات المختلفة في العالم الإسلامي، من أنهم ينظرون لهؤلاء الدعاة كونهم منافسين لهم على الحكم، وليس باعتبارهم دعاة إصلاح لمختلف جوانب الحياة. والحكومات التي تقمع الإسلاميين – من وجهة نظري المحدودة على الأقل – حكومات قمعية استبدادية ترفض مبدأ تداول السلطة وتقمع خصومها، سواء كانوا إسلاميين أو غير إسلاميين، وليست بالضرورة حكومات كافرة أو فاسقة تعادي الدين الإسلامي ذاته، والكثير من هؤلاء مسلمون يؤدون فرائض الدين، غير أن معركتهم سياسية وليست دينية.

6 - الشمولية لا تنافي التخصص:

فشمولية الإسلام لا تعني بالضرورة شمولية الجماعات العاملة للإسلام، ولا شمولية الأفراد والدعاة، فما لا يدرك كله لا يترك جله، والتخصص مطلوب في العمل الدعوي، فالداعية المؤثر دعويا غير السياسي الملتزم بأخلاق الإسلام، فإن الذين يمارسون العمل السياسي على خلفية إسلامية هم سياسيون ملتزمون، وليسوا بالضرورة دعاة وعلماء دين، بل إن الفصل التخصصي داخل العمل الإسلامي يعيد التصور الصحيح لطبيعة الحكم والسياسة المدنية ذات المرجعية الإسلامية، ويزيل من الأذهان صورة الداعية الشامل التي تيسر على مناوئي مشروع الإصلاح الإسلامي ادعاءهم بأن هذا المشروع الإسلامي قائم على فكرة الدولة الدينية والمجتمع الديني الذي يتحكم فيه "رجال الدين"، بينما المجتمع الإسلامي مجتمع مدني ذو مرجعية إسلامية، وهو على هذا مجتمع يحترم التخصص والتفاضل فيه على أساس مدني يرتكز على المواطنة.

7 – الداعية يحوز إجماعا أكبر مما يحوزه السياسي:

ولذا يكون دور الداعية وتأثيره في إصلاح الأفراد والمجتمعات أكبر من تأثير السياسي، ولذا فلا يُعقَل أن يترك الداعية منصة التأثير الكبرى ليهبط إلى منصة التأثير الأقل، رغم ضرورتها ومشروعيتها.

8 – الداعية ناصح للحاكم وليس خصما له:

فأعلام الدعاة في معظم العصور الإسلامية قدموا أنفسهم كناصحين للحكام وليسوا خصوما لهم، وهو ما يعرف بمحاولة الإصلاح من الداخل، أي من داخل أنظمة الحكم نفسها، ومثال ذلك الإمام ابن تيمية، والشيخ العز بن عبد السلام، ورغم تعرضهما للقمع الحكومي، فلم يكونا خصمين سياسيين بقدر ما كانا أصواتا إصلاحية من الداخل.

9 – العمل السياسي يفقد الداعية بعض جمهوره:

فانخراط الرموز الدعوية أو أعلام الدعاة في العمل السياسي يفقدهم جمهورا كبيرا من المدعوين من التيارات الحزبية والسياسية الأخرى، فالدعوة الإسلامية للتمسك بتعاليم وأخلاق وآداب وقيم الإسلام موجهة إلى كل رجال الأحزاب السياسية، سواء منهم من كان في السلطة أو المعارضة، وكل هؤلاء جمهور دعوي مستهدف، وترفع الداعية عن منافستهم أو خصومتهم السياسية تجعله مقبولا منهم جميعا – بدرجات متفاوتة – بينما دخوله معهم في تنافس سياسي أشبه بالصراع يجعله خصما، وبالتالي يفقد مكانته لديهم داعية وموجها ومربيا ومرجعية يرجع إليها في بعض الأمور التي تخصهم.

10 – الحفاظ على العلاقات مع التيارات المختلفة:

لا تنفي كل هذه الأسباب أن يمارس الداعية حقوقه السياسية بصفته مواطنا، من حقه الانتخاب وإبداء الرأي. ولكن من الحكمة الدعوية ألا يجاهر على المنابر الدعوية برأيه السياسي حفاظا على علاقاته بالتيارات المختلفة، مع توجيه الناس لاختيار الأكفأ والأكثر تدينا والتزاما خلقيا، حتى لا يخون أمانة التوجيه من ناحية، ولا يفقد جمهوره الذي ينتظر منه قولة حق في مثل هذه الظروف، أما نزوله بثقله الدعوي لصالح فصيل دون آخر فإنه أشبه بانخراطه الكامل في العمل السياسي.

رفض "الإسلامي" ليس رفضا للإسلام

هذا بالنسبة لحيثيات رفض انخراط الرموز الدعوية في العمل السياسي، أما قيام بعض التنظيمات والأحزاب المدنية ذات الطبيعة السياسية على أسس ومرجعيات إسلامية بممارسة حقها المشروع، فهذا من باب الجهاد السياسي، والعمل على الإصلاح السياسي من منظور ديني، على اعتبار أن القائمين بهذا الواجب الشرعي أقرب للرموز السياسية منهم إلى الرموز الدعوية – بل هم في الحقيقة رموز سياسية – والشعب مخير في اختيارهم لتمثيله وفق برامجهم المطروحة، ووفق أدائهم السياسي، ووفق تاريخهم الوطني؛ لأنهم بالنسبة للشعب فصيل سياسي وطني إسلامي، وليسوا هم محتكري الإسلام ولا الوطنية، وإنما ترفع شعبيتهم أعمالهم قبل شعاراتهم، وليس رفض الناس لمرشح إسلامي بعينه هو رفض للإسلام نفسه، وإلا ما قبل المرشح الإسلامي نفسه خوض انتخابات هو فيها عرضة للفوز أو الهزيمة، ولا أعتقد أن المرشحين الإسلاميين في الانتخابات المختلفة يسوقون أنفسهم على أنهم يمثلون حقا في مواجهة باطل، ولكن باعتبارهم يمثلون مشروعا وطنيا ذا مرجعية إسلامية في مواجهة ممثلي مشروع وطني ذي مرجعية مختلفة ومغايرة.

شارك في ساحة الحوار حول هذا الموضوع:


  كاتب مصري مقيم بالسعودية.