المغرب .. درس في العلاقة بين الدعوي والسياسي
مستويات التمييز بين الدعوي والسياسي
مستوى الخطاب
الحركة تجمُّع دعوي يستوعب كل من تجمعه المرجعية الإسلامية، أيًّا كان انتماؤه أو موقفه السياسي، فالمرجعية الإسلامية لا يمثلها حصرًا تمظهر سياسي وحيد، ولا يصح أن يعبر عنها خطاب سياسي واحد، فالخطاب السياسي يحتمل الاختلاف، ويستلزم الخصومة السياسية، ويخضع للمواءمات التي يمليها المسلك البرجماتي، ومن ثم فهو يفترض التغير والتحول بحسب المصلحة. فيما تبقى الحركة رهنًا بالمرجعية الإسلامية الجامعة لكل من يرى نفسه منطلقًا منها.
لذلك اعتمدت الحركة قرارًا حاسمًا بمنع مشاركة الدعاة والوعاظ من أعضائها في الانتخابات، لا ترشيحًا ولا مساندةً، كما منعت نزول قيادات الحركة في الحملات الانتخابية للحزب، باعتبار أنهم يمثلون المرجعية الإسلامية التي يجب أن تظل ملكًا لجميع المغاربة، وليست حكرًا على حزب سياسي أو خصمًا لخصومه، وخطابها يجب ألا ينساق إلى وهاد الحزبية الضيقة.
وبالإجمال سعت الحركة إلى تبني خطاب دعوي توعوي إرشادي تجميعي عام، مميز عن الخطاب السياسي في لغته ومحتواه، فلا يعلن عن انحياز إلا للمبدأ، ولا يتورط في خصومة سياسية مباشرة، ويركز مقاربته على القضايا والمبادئ والأفكار وليس الأشخاص والمؤسسات.
وتتجه الحركة إلي إنهاء حالة التداخل في مجال الخطاب الإعلامي بينها وبين الحزب، بحيث تستقل صحيفتها (التجديد) عن الحزب الذي يتجه لتأسيس صحيفة خاصة به، علمًا بأن لكل منهما موقعا على شبكة الإنترنت مستقلا تمامًا عن الآخر.
مستوى مجالات العمل
تطرح الحركة في مراجعاتها الأخيرة ضرورة وجود تمييز بين الحركة والحزب في مجالات العمل، فالحركة لا يمكن أن تصدر بيانًا في شأن تسيير العمل العام (إصلاح جسر أو قنطرة، أو واقعة سياسية أو اقتصادية محددة) بل يلزم الحزب اتخاذ المبادرة في ذلك. أما الحركة فهي مؤسسة مجتمع مدني لكل أبناء الوطن، مهمتها الدعوة وإعداد الإنسان وتربيته، وتبني قضاياه العامة، مثل محاربة الظلم والفساد والرشوة والبطالة، وحث الناس على التزام الفضيلة وإتقان العمل والولاء للوطن، وكذلك دعم قضايا الأمة (فلسطين والعراق وأفغانستان...).
وتثير الدعوة للتمييز بين مجال اشتغال الحركة ومجال اشتغال الحزب القضية الشائكة حول اشتغال الناشطين السياسيين الإسلاميين بقضايا الهوية: هل يجب أن تكون جزءًا من مجال اشتغالهم السياسي؟ وما الحجم المفترض لقضايا الهوية في خطاب الحزب؟ وهل يمكن أن تتحول قضايا الهوية إلى قضايا سياسية، أم تبقى ثقافية دعوية من اختصاص الحركة؟.
محمد يتيم يرى أن "من مصلحة الحزب أن يقلل من اشتغاله على قضايا الهوية، ويتفرغ أكثر للرقي بالخطاب السياسي والتدبيري"، وإن كان يجزم بصعوبة تحقق هذا على الوجه المطلوب، فمازالت قضايا الهوية محور اهتمام الشارع، وهي التي تصنع سمعة الأحزاب وتكثف من حضورها، ومن غير الحصافة السياسية التخلي عنها جملة واحدة؛ لأن من شأن ذلك التأثير على شعبية الحزب.
ويؤكد يتيم أن الحركة تسير في طريق الحسم لجهة أن يتولى الحزب قضايا التدبير المباشر لاهتمامات الناس، والموقف السياسي المباشر، أو ما تسميه بنهج يوسف الذي قدم نفسه للعمل السياسي، ليس بصفة النبي، وإنما بصفة المدبر للأزمة الاقتصادية (قال لعزيز مصر: اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم).
لكن تبدو بعض القضايا أكثر تركيبًا وتداخلاً بما لا يسمح بالتمييز الواضح بين مجال اشتغال الحركة ومجال اشتغال الحزب؛ مثل قضايا الرقابة على الفن، ودور الدولة في حماية الأخلاق، أو منع الإساءة إلى الآداب العامة، مثلما حدث في قضية فيلم "ماروك" الذي تضمن مشاهد فاضحة، وقدم صورة مسيئة للفتاة المغربية، اعتبرها البعض إساءة إلى سمعة المغرب، بما كان يستدعي تدخل الرقابة لمنعه.
وهنا تفرِّق الحركة بين قضايا الإجماع العام التي لا تصادر على حق تيار فكري أو وجهة نظره، وبين الدعوة إلى نشر منظومة قيم وأخلاق تمثل تيارًا بعينه. والمثال الواضح هو قضيتي لباس البحر والدعارة، فهناك جدل كبير حول الملابس العارية التي ترتديها الفتيات والنساء على شواطئ البحر، والتي تثير تحفظ واعتراض جماهير الإسلاميين، وعموم المتدينين والمحافظين، ثم هناك مشكل انتشار شبكات الدعارة وتجارة الجسد؛ استغلالاً للفقر والحاجة التي تعانيها بعض المناطق.
تميز الحركة بين القضيتين، فتعتبر أن التصدي لقضية الملابس والأزياء الفاضحة هو من عمل الحركة؛ لأنه يتطلب جهدًا دعويًّا تربويًّا، ولا يجب أن تتحول إلى قضية سياسية يتحرك عليها الحزب؛ لأنها ليست قضية إجماع وطني، ولا يجب أن يفرض الإسلاميون منظورهم الأخلاقي على غيرهم، خاصة وأن هناك تيارًا علمانيًّا حداثيًّا لا يرى في هذه الملابس حرجًا أو عيبًا.
أما قضية الدعارة واستغلال الفقر في تجارة الجسد فهي محل رفض من كل التيارات داخل المغرب، بما فيها التيارات العلمانية الحداثية؛ ومن ثم فيمكن للحزب أن يتشارك مع الحركة في التصدي لها وتحويلها إلى قضية سياسية، فهي قضية تتقاطع فيها الهوية الأخلاقية مع الشأن السياسي والتدبيري العام.
وفي كل الأحوال، يؤكد محمد يتيم على ضرورة التزام الحزب في اشتباكه مع قضايا الهوية بلغة تبعد عن التخوين والتكفير، لتبقى لغة سياسية منضبطة غير إثارية، وهو ما سعى الحزب إلى التزامه في قضية فيلم "ماروك"، حيث أحال النقاش إلى دائرة مؤسسات الدولة ومدى فاعليتها، وتعبيرها عن الخط العام لسياسة الدولة، دون التورط في اتهامات بالانحلال أو اللاأخلاقية.
مستوى الرموز
وتسعى الحركة إلي إحداث فصل بين رموز الدعوة والحركة، وبين رموز السياسة والحزب، فرموز الحركة هم رموز الأمة، لا يجب أن ينحازوا لمصلحة فصيل سياسي دون غيره، فيما رجال الحزب يمثلونه فحسب.
مازالت قضية الفصل على مستوى الرموز صعبة، ولم تنجز كاملة حتى باعتراف الحركة، فمازالت معظم رموز وقيادات الحزب هي قيادات رئيسية في الحركة، فعبد الإله بنكيران عضو المجلس الوطني للحزب وعضو المكتب التنفيذي للحركة، وعبد الله بها رئيس فريق الحزب بالبرلمان وعضو المكتب التنفيذي للحركة، ومحمد يتيم هو عضو الأمانة العامة للحزب ونائب رئيس الحركة، حتى سعد الدين العثماني الأمين العام للحزب هو نفسه عضو مجلس شورى الحركة.
ومازال حضور هؤلاء معتبرًا من خلال الحركة أكثر من الحزب، ومردُّ ذلك أن الحزب مازال حديثًا، ويعيش في مرحلة انتقالية يسعى فيها لتثبيت وجوده في الساحة السياسية. وهو ما يجعل من الصعب الحسم مباشرة في قضية فصل رموز الحركة عن رموز الحزب.
ويمكن أن نتحدث هنا عن مرحلتين في العلاقة بين رموز الحزب والحركة: الأولى كانت عام 1996م، حيث انغمست كل قيادات الحركة تقريبًا في عملية إعادة بناء الحزب بعد التحالف مع حزب القوى الشعبية، والذي أثمر عن حزب العدالة والتنمية، وتلتها انتخابات 1997م، التي صار رموز الحركة بموجبها أعضاء في البرلمان عن الحزب الجديد.
الثانية عقب انتخابات 2002م، التي استقر الحزب بعدها كثاني أكبر الأحزاب المغربية، فقد بدأ الحزب يتهيكل ويتفرع ويستقر، ومن ثم يستقل عن الحركة، بما يسمح له بفك الارتباط على مستوى الرموز، ليس على مستوى الفصل بمعناه الحاسم، وإنما في صيغة الشراكة التي تسمح لكل من الكيانين باستقلال مؤسسي.
يتحدث محمد يتيم بواقعية ولكن بتفاؤل، مؤكدًا أنه من الصعب الحديث عن إنجاز الفصل المقبول على مستوى الرموز بين الحركة والحزب قبل الانتخابات القادمة 2007م، ويتوقع أن يبدأ مسار الفصل بعد أن يستقر وضع الحزب سياسيًّا كما هو متوقع، ويرجح أنه بحلول انتخابات 2012م سيكون الفصل قد أُنجِز على مستوى الرموز بين الحركة والحزب، بل يطمح يتيم إلى أكثر من ذلك، بأن تعاد صياغة علاقة الحركة بالمجال السياسي لتصبح كل الأحزاب على قدم المساواة، ولا يظل دعم الحركة حكرًا وحصرًا على حزب العدالة فقط. وأنه إذا كانت الحركة ترمي بثقلها على الحزب الآن، فهي تأمل مستقبلاً أن تتحدد مواقفها مستقبلاً على أساس القضايا والمواقف وليس الأفراد والمؤسسات.
ويشير الحمداوي إلى أن الحركة بدأت السير في هذا الاتجاه، حيث دعمت أنشطة عدد من البرلمانيين من خارج حزب العادلة والتنمية، كان آخرها اقتراح برلماني بإغلاق عدد من الخمارات. كما أن صحيفة الحركة لا تقصر تغطيتها للنشاط البرلماني على برلمانيي العدالة والتنمية، وإنما تتوسع في تغطية أداء عدد من البرلمانيين الذين يتبنون توجهًا مقاربًا لتوجه الحركة.
غير أن يتيم يؤكد أن الأمر يحتاج إلى استقرار الخط الاستراتيجي للحزب أولاً، ونموه بما يسمح بفطامه عن الحركة، وهو ما سيكون من مصلحة الحركة مستقبلاً، فالحزب يؤثر لا شك سلبًا على الحركة بحجبه الشخصية الدعوية لها، حيث كل إنجاز يحسب مباشرة لمصلحة الحزب، لكنه يشكل أحيانًا حماية للحركة؛ فالقوة السياسية تقلل من أطماع البعض في تصفية الحركة، وهو ما ظهر في فترة ما بعد تفجيرات الدار البيضاء 16 مايو 2003م، التي شهدت حملة تحريض غير مسبوقة تطالب بالتصفية والاستئصال للحركة برمتها.
إن المقاربة التي ترمي إلى التمييز بين الدعوي والسياسي في تجربة حركة التوحيد والإصلاح وحزب العدالة والتنمية، مازالت اجتهادًا في طور التجريب، فالفكرة في كلياتها غير تنزيلها واقعيًّا، وفيها اجتهادات كثيرة، لكنها تصلح لأن تطرح للنقاش على التجارب الإسلامية الأخرى، فهي تفكك بعض إشكالياتها في مساحة العلاقة المفترضة بين العمل الدعوي والعمل السياسي الإسلامي، وتعطي أملاً في أن بالإمكان أن تتحول حركة إسلامية ما لإطار دعوي وتربوي حاضن لتجربة سياسية ومنتج للإطارات والقيادات السياسية، دون الانغماس الكلي في السياسي الذي يؤدي إلي تسييس الدعوة وإلغاء منطقها الحضاري.
اقرأ في هذه الدراسة:
- المغرب .. درس في العلاقة بين الدعوي والسياسي
- خلفية تاريخية عن تطور التجربة المغربية
- في فلسفة التمييز بين الدعوي والسياسي
- في منهجية التمييز وإدارته واقعيا
- مستويات التمييز بين الدعوي والسياسي


















