المغرب.. درس في العلاقة بين الدعوي والسياسي
في منهجية التمييز وإدارته واقعيا
رئيس الحركة السيد محمد الحمداوي (كان عضوًا بالحزب قبل انتخابه رئيسًا للحركة في دورتها الأخيرة، لكنه استقال من الحزب) يقول إنه استقال من الحزب رغبة منه في ألا يستقل الحزب بالقيادات ذات التكوين الحداثي، فتبقى الحركة خاصة بالشيوخ وذوي التكوين الشرعي (فاختصاصه هو الهندسة، وليس العلوم الشرعية)، لكن استقالته تعكس -من زاوية أخرى- الرغبة في تأكيد الاستقلالية بين الحركة والحزب؛ فرئيس الحركة ليس عضوا في الحزب، ورأس الحزب (أمينه العام سعد الدين العثماني) لم ينتخب في المجلس التنفيذي للحركة (أعلى سلطة بها)، وإن ظل عضوًا بمجلس الشورى المنتخب.
وتحولت الحركة إلى إدارة مؤسساتها بمنهجها الخاص، وبمنطق مؤسسة المجتمع المدني، والتوجيه فيها والإلزام يتعلق بالتربية فقط، أما التوجيه السياسي وبناء الموقف السياسي فتلزم الحركة أعضاءها ممن ينخرطون في العمل السياسي الحزبي بالرجوع فيه إلى الأطر والمؤسسات الحزبية.
في إدارة العمل
لا تتدخل الحركة في رسم السياسات المحددة والتفصيلية للحزب، أو في تحديد مواقفه السياسية، فالحزب له قيادة مستقلة (مجلس شورى، ومكتب تنفيذي)، وله انتخابات تنظم هذه القيادة، وأقصى ما يقع من الحركة في علاقتها بالحزب نقاش عام في مجلس شورى الحركة حول المسار السياسي، لا يدخل فيما بعد التوجهات العامة، ولا يُلزِم الحزب وقيادته بشيء.
وهناك حرص على تأكيد هذه الاستقلالية ودعمها ونقلها إلى وعي القواعد؛ لذلك كثيرًا ما تنشر صحيفة الحركة أخبارًا عن رسائل رسمية إلى الأمين العام للحزب في أمور مختلفة، بما يظهر استقلالية الهيئتين.
والحركة ضد توظيف الشعارات الدينية في العمل السياسي الحزبي، وهي تتخوف من أن تتأثر الدعوة سلبًا بالسياسة التي ستستفيد منها حتمًا، لكنها ستضر بها حال الربط المباشر بينهما. فالعمل السياسي الإسلامي سيتراجع حتمًا، ليس لمُشكِل فيه بالضرورة، وإنما لأنها سنة التغيير ومنطق الديمقراطية كما يقول الحمداوي: "أرقى الديمقراطيات لا يمكن أن يستمر البرنامج السياسي فيها أكثر من دورة أو دورتين، ثم يتراجع ويحل بديلاً عنه برنامج سياسي آخر".
وأثناء اشتعال معركة الانتخابات البرلمانية التي خاضها الإخوان في مصر، والتي غلبت عليها الشعارات الدينية، نشرت صحيفة الحركة "التجديد" عدة مقالات للباحث والقيادي بالحركة بلال التليدي، في نقد رفع شعار "الإسلام هو الحل" في الانتخابات.
وترفع الحركة شعارها: (إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت) شعارًا دعويًّا زادته إيضاحًا بشعار فرعي (عمل إسلامي تجديدي للإسهام في إقامة الدين وإصلاح المجتمع)، فيما يرفع الحزب شعارًا مختلفًا يخلو من اللغة الدينية (أصالة - تنمية - عدالة) ولا يتوسل بها مباشرة.
في برامج التكوين والتثقيف
الفصل بين المؤسستين استلزم اعتماد نوع من الفصل بين برامج التكوين والتثقيف في كل منهما، بما تقتضيه طبيعة كل مؤسسة، وقبلها في شروط العضوية. فشروط العضوية بالحركة شروط أخلاقية ومبدئية (مثل الالتزام بالاستقامة والابتعاد عن المحرمات والشبهات)، وهي تميل للتشدد في التزام العضو بهذه الشروط، بعكس الحزب الذي لا يتشدد في هذه الشروط طالما التزم العضو بالموقف السياسي للحزب ومرجعيته العامة.
وقواعد التصعيد في العضوية داخل الحركة هي قواعد أخلاقية علمية فكرية، لا علاقة شرطية لها بالقواعد السياسية. كما أن الإجراءات العقابية بحق الأعضاء مختلفة داخل الهيئتين لمن يخالف التزامات العضوية، ولا يلزم أن يمضي العقاب في واحدة على الأخرى، فقد يفصل العضو من الحزب لأسباب تتعلق بالانضباط التنظيمي السياسي، ويظل عضوًا بالحركة، والعكس وارد. فالحركة تتعاطى مع المشكلات والمخالفات التربوية التي تتصل بمدى التزام العضو بمنهج الحركة وأخلاقياتها فقط.
مثال على ذلك وقع في أحد الانتخابات التي خاضها الحزب، فقد تورط عضو في الحركة والحزب في شراء الأصوات، فعلمت قيادة الحركة بالواقعة، وأجرت تحقيقًا موسعًا انتهى إلى فصل العضو من الحركة لإخلاله بمتطلبات الانتماء لها. تم ذلك كله دون العودة إلى قيادة الحزب، بل دون علمها، فقط أُخبِر الحزب بقرار الحركة دون إلزامه بموقف، ودون انتظار سماع رأيه.
وعلى هذا الأساس فإن برامج التكوين في الحركة تصاغ بما يناسب حركة دعوية ثقافية قوامها الدعوة والتزكية والتربية، ويتم ذلك عبر محاضن الحركة وفاعلياتها؛ من دروس دينية، وخطب، ولقاءات عامة، أو فعاليات تربوية ودعوية خاصة. أما التكوين السياسي فيتم عبر أطر الحزب وهياكله وفاعلياته، ولا تتوجه الحركة بتكوين خاص أو بمناهج خاصة لأعضائها العاملين بالسياسة، بل تصر على الإبقاء على الرسالة الدعوية التزكوية والتربوية العامة الجامعة.
في ضمانات الضبط
كان من الطبيعي أن تثار تساؤلات، بل وهواجس وتخوفات لدى بعض القيادات من أن تؤدي الاستقلالية إلى تعارض بين الهيئتين، وكانت الهواجس أكثر – بالطبع - لدى الدعويين الذين أصابهم القلق من أن يتأثر المسار السياسي للحزب بإكراهات السياسة وموائماتها وحساباتها. وأثير الحديث عن ضمانات التزام الحزب بالإطار المرجعي للحركة، لكن استقر الأمر ألا يكون هناك ضمانات؛ لأنها غير ممكنة فعلاً، ولأن الحديث عن أدوات ضبط أو سيطرة من الحركة على الحزب هو ضد الاستقلالية الحقيقية، وضد الفاعلية الحركية والسياسية. وحسمت الحركة خيارها بأنه ليست هناك ضمانات تنظيمية لضبط مسار الحزب -الذي يؤدي وظيفتها السياسية- وإنما هي ضمانات منهجية وفكرية فحسب.
العلاقة مع الآخر الإسلامي
|
أحمد التوفيق وزير الأوقاف المغربي |
إستراتيجية التمييز بين الدعوي والسياسي ساعدت في تطوير العلاقة مع الآخر الإسلامي. فالحقل الديني المغربي -مثل غيره- يتعدد فيه الفاعلون؛ بدءًا من المؤسسات الرسمية كوزارة الأوقاف والشئون الإسلامية ومؤسساتها المختلفة، وعلى رأسها المجالس العلمية، أو المؤسسات غير الرسمية مثل الطرق الصوفية والجماعات الإسلامية الأخرى، وفي مقدمتها جماعة العدل والإحسان، أكبر تنظيمات الإسلام السياسي في المغرب.
انطلقت الحركة كما أسلفنا من قاعدة أنها مجرد طرف في الإسهام في إقامة الدين، ومن ثم فهي لا تمانع في التعاون مع غيرها في هذا الغرض، أيًّا ما كان الموقع أو الموقف السياسي لهذا الغير؛ ومن ثم فهي رحبت بمشروع الدولة لإعادة هيكلة الحقل الديني، والذي طرحته وزارة الأوقاف، وحددت فيه معالم وقواسم المشترك الديني للمغرب (العقيدة الأشعرية - المذهب المالكي - التصوف على طريقة الجنيد - إمارة المؤمنين)، وأصدرت الحركة بيانًا ثمَّنت فيه الدعوة إلى إعادة هيكلة الحقل الديني "بدلا من استئصاله"، وعدَّته خطوة للأمام يجب دعمها؛ ومن ثم اعتبرت نفسها شريكًا للدولة في تنظيم الحقل الديني، وتعاونت مع الوزارة فيه، خاصة في عمل المجالس العلمية العليا، التي بدا أن كثيرًا من أعضائها وممن يقودون المشروع هم من أعضاء الحركة، فكبار القيادات العلمية للحركة: عز الدين التوفيق، ومحمد الروكي، وفريد الأنصاري (استقال مؤخرًا) هم أبرز من يشرفون على تكوين الوعاظ والواعظات في وزارة الأوقاف؛ بل إن العبادي أحمد رئيس مديرية الشئون الإسلامية بوزارة الأوقاف، كان أحد قيادات الحركة. وتهتم الحركة بدعم المشروع إعلاميًّا، فتخصص صحيفتها (التجديد) مساحات واسعة وشبه ثابتة لتغطية أخبار المجالس العلمية والتنويه بها وبعلمائها.
|
عبد السلام ياسين المرشد العام لجماعة العدل والإحسان |
أما فيما يخص العلاقة مع المنافس الإسلامي الأكبر؛ جماعة العدل والإحسان، فإن الحركة رغم اختلافها مع الجماعة في كثير من القضايا الجوهرية، مثل إستراتيجية الجماعة في القطيعة مع النظام، والطعن في شرعيته، وتوسعها في قضية الرؤى والمنامات -بما استدعى الحركة لإعلان معارضتها علانية عبر بيان نصيحة- إلا أنها تجاوزت منطق إلغاء الآخر والاستقطاب الفكري إلي الإقرار بالاختلاف مع القبول به، فلم تعد تقف منها موقف المعارضة والخصومة، بل تتعاون في القضايا محل الاتفاق، مثل التنسيق لنصرة فلسطين والعراق... إلخ، ولا ترى حساسية في ذلك، رغم حصار النظام للجماعة وتضييقه عليها.
وقد جسد الموقف من جماعة العدل والإحسان منطق الفصل بين السياسي والدعوي الذي نتحدث عنه، فالحركة أعلنت انشغالها بما يجري في حق الجماعة من اعتقالات وإغلاق لمقراتها والأماكن التي أعلنتها للتواصل مع جمهورها – وهو ما عرف بالأبواب المفتوحة – وأصدرت بيانًا يؤكد على رفض التجاوزات بحقها، وأتاحت صحيفتها للجماعة التي شهدت حصارًا إعلاميًّا فرصة التعبير عن موقفها، عبر حوار أجرته مع متحدثها الرسمي فتح الله أرسلان، في حين تبنى الحزب مسلكًا برجماتيًّا التزم فيه بمنطق السكوت، مراعاة لعدم استفزاز النظام، ورغبة في ضمان ثقته، خاصة في ظل تصاعد المؤشرات على احتمال مشاركته في الحكومة القادمة إن لم يكن تشكيله لها، فلم يعقب الحزب رسميًّا على حملة المصادرة والاعتقالات بحق إسلاميي العدل والإحسان، بل وصرح أمينه العام سعد الدين العثماني -تحت محاصرة الإعلام له في لقاء بمدينة طنجة- بعدم قانونية مجالس النصيحة والأبواب المفتوحة التي تقوم بها الجماعة؛ لأنها تتم من دون إذن السلطات! فخضع موقفه من (إخوة) الطريق الإسلامي إلى إكراهات السياسة وموائماتها، والتي لم تجد الحركة نفسها مرغمة على اعتبارها أو تقديمها على موقفها المبدئي.
ويمكن أن ينطبق المنطق نفسه على الطرق الصوفية التي شهدت علاقة الحركة بها تحسنًا عما كانت عليه قبل سنوات، فانتقلت من القطيعة معها والمواجهة إلى سياسة الإنصات والاستماع ورفع الحواجز، ويمكن رد ذلك إلى اعتبارات كثيرة، أهمها: تحول حركة التوحيد إلى إطار دعوي خالص، يغلِّب منطق الدعوة وجمع الشمل على المنافسة.
اقرأ في هذه الدراسة:
- المغرب .. درس في العلاقة بين الدعوي والسياسي
- خلفية تاريخية عن تطور التجربة المغربية
- في فلسفة التمييز بين الدعوي والسياسي
- في منهجية التمييز وإدارته واقعيا
- مستويات التمييز بين الدعوي والسياسي


















