"بعبع" المشروع الإيراني!!
أتفهم الكثير من هذه المخاوف، بعد أن تمخض احتلال العراق عن ذلكم النفوذ الإيراني الواسع في أراضيه، ومن الطبيعي أيضا أن تتعاظم هذه الهواجس بالحرب اللبنانية الأخيرة والتي تولاها حزب لا يخفي علائقه مع إيران، على حساب قوى مدعومة من التيار الرسمي العربي المناهض لإيران، لذا كان منسجما جدا ألا يرى النظام العربي في هذه الحرب أكثر من مغامرات غير محسوبة!
ترغيب وترهيب
لن نتصور من الشعوب العربية أن تكون بمعزل عن سياسة نظمها، خاصة أن الثقافة الشعبية التقليدية مشحونة بكم هائل من تراث الرفض وعدم قبول المخالف والتمييز العشائري والإقليمي والديني والطائفي!
ومن هنا فقد كانت جماهير المذهبين الكبيرين تبدي هذه الخفة والسطحية في التعامل مع التأثير السلطوي عند أدنى استثارة، فتتخبط في كل اتجاه دون وعي أو فقه لأولويات المرحلة الحرجة التي نمر بها!
لم تكن الأزمة لتصل إلى ذلكم الخطر المحدق بأمتنا لو أنها اقتصرت على مواقف السلطات الرسمية، والعامة، فكم أصلحت النخب الواعية من فساد أولئك، وطيش هؤلاء.
ولكن الأزمة التي نعايشها أن بعض الدعاة، وكذلك بعض النخب المأمولة أصبحت جزءا من معادلة الشرذمة، وآلة التقسيمات الطائفية!! فمن يصلح الأرض إذا الملح فسد؟
الجميع منقاد للحديث عن الخطر الإيراني الداهم، في هذه المرحلة! والغريب أن ثمة ضبابية في توصيف هذا المشروع، فبينما يراه العامة محض مشروع طائفي للنيل من الثقافة السنية السائدة، ونشر التشيع في أوساط المنطقة بالترغيب والترهيب، هناك في بعض الأوساط الرسمية من يستغل هذه العاطفة الشعبية، ليغلف استكانته للإملاءات الأمريكية الغربية بيافطات التصدي للهلال الشيعي!
بينما النخب القومية والإسلامية وهي تتحاشى –خطابيا- الانحياز للتقويم الطائفي، تقع في مطب التمييز العنصري، فتنصب الفارسية هدفا للنيل من المشروع الإيراني! وتزعم أن الصفوية عنوانه.
دعونا نتفق على هوية هذا المشروع ابتداء، ثم نجتهد في مواجهته بقدر ما يسبب لمشاريعنا المحلية والإقليمية والدولية من تهديد.
بخصوص من يقفون على الضد مما يسمونه المشروع الفارسي، أتساءل: هل لنا موقف مضاد من الثقافة الفارسية، وأيهما أقرب إلينا كشرقيين عرب مسلمين: ثقافة فارس أم ثقافة أوربا؟ فهل نتخذ ذات الموقف من المراكز الثقافية الغربية الأكثر عددا، والأوسع إقبالا؟ وهل تشكل الثقافة الفارسية تهديدا ما للثقافة العربية في المنطقة؟ وهل ينسى المسلمون أن سلمان الفارسي من آل البيت، أم ينسى العرب ما أتحف به الطبيب ابن سينا الفارسي حضارة العرب من آفاق لا يزال العالم يستهدي بها حتى الساعة، حتى غدا اسم ابن سينا علما على مادة الطب.
أي الفريقين أحق بالخوف؟!
وأما بخصوص من يقفون على الضد مما يسمونه المشروع الشيعي، فأسأل أهل السنة أيضا:
أي الفريقين أحق بالخوف إن كنتم مؤمنين؟!
فالله سبحانه {أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاء حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ } [الرعد: 17].
لا خوف على دين تكفل الله بنصره، ولا على قرآن تكفل الله بحفظه، ولا على حق تكفل الله بظهوره، ولا على سنة تكفل الله بصيانتها {سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً }الإسراء77{وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً}الأحزاب62، [الفتح: 23].
وأخطر ما يكون هاجس الخوف من المخالفين، حين يكون عن ضعف ثقة بالحق وعلوّه، أو ضعف طمأنينة بالله وما تكفل به من حفظ لدينه، نسأل الله العافية. {إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}[آل عمران: 175].
هل هو الشعور بالضعف؟!
منذ تأسس مصطلح: (أهل السنة والجماعة) لم تفترق السنة عن الجماعة، فسواد المسلمين الأعظم أهل سنة، ولم يكونوا طائفة دينية بالمفهوم الحديث لكلمة الطائفية، الأهم من ذلك وعلى مدار التجربة التاريخية فقد كانوا هم الركن الشديد الذي تفيء إليه هذه الطوائف في تجلياتها المعقدة! استوعبوها واحتضنوها، مما اضطر هذه الطوائف أن تمضي في سياق المجموع، وربما تبحرت به، من المألوف جدا أن تقرأ في كتب الفروع لدى الطوائف قاطبة من شواهد المذهب السني ما يقرب من شواهدهم بمذهبهم! بينما لا يكاد يذخر التراث السني بشواهد تذكر لهذه الطوائف في موسوعاته الضخمة!
وسر ذلك في اجتهادي يعود لسببين:
الأول: الهاجس السني لدى الطوائف، والشعور الداخلي بالضعف حياله!
الثاني: ضخامة التراث السني، وإيجابيته، حيث كان منهج حياة شامل، بينما وجد الآخرون أنفسهم حيال تراث طائفي قاصر على هدم ما لدى الآخرين دون البناء! والتقوقع عند أمة قد خلت من قبلها ومن بعدها أمم!
وحين أهون من الخطر الشيعي فأنا لا أعني أن علينا السكوت عن محاولات التشويه الدائبة لتراثنا السني، أو افتراءات الآخرين على الصحابة والخلفاء والأئمة! ولكن التصدي للبدع الغليظة، والوقوف في وجه المنكرات والأضاليل شيء، وتهويل المد الشيعي على حساب مذهب أهل السنة والجماعة، بل والاستغراق في النظر للمختلف دون المؤتلف بين المذهبين شيء آخر، ومع أنني لا أدعو لإهمال التفسير الطائفي مع كل انعكاساته المغرقة في السلبية، غير أن الذي يستحق الرصد موضوعيا هو المشروع السياسي الإيراني.
إن استغراق بعضنا في تفسير الأحداث اليوم من خلال بعدها الطائفي المحض يحتاج إلى الروية والتأني في فهم العلائق السياسية للمصلحة الإسلامية العامة.
خاصة وأن مشروع التقسيمات الطائفية والتخويف من الخطر الإيراني هو مشروع أمريكي بالأصل، لا لأن أمريكا أسهمت بنيويا بنفخ الطائفية في العراق والمنطقة فقط، ولكن لأن أمريكا منذ سقوط نظام الشاه ما فتئت تؤلب دول المنطقة ضد الخطر الشيعي كلما كانت في مواجهة ما مع إيران!
تربطنا قواسم مشتركة
ثمة تشابكات بيننا وبين إيران، تجعلنا أحيانا نقف من إيران موقفا محاميا، وأخرى مدعيا ومتهما!!
فموقف إيران من حركات المقاومة في فلسطين ولبنان غير موقفها من حركات المقاومة في العراق، وعلينا بكل موضوعية أن نحسن الفرز بين الموقفين، فنتعاطى إيجابيا مع الأول، ونعارض بحزم الموقف الآخر.
مشتركات الهوية الإسلامية مع إيران تجعلنا في جبهة واحدة ضد المخالفين، وفي اعتقادي أن التهوين من هذه المشتركات لا يخدم الحركة الإسلامية ولا القوى العروبية. فبيننا وبين إيران جملة من القواسم المشتركة، يجب أن نتخذها جسرا للتحالف الإقليمي ضد المشروعات العالمية العاتية من الخارج، وهذا لا يعني أن نغفل عن الأطماع الإيرانية في المنطقة، بما فيها الطموحات والمشاريع المذهبية الطائفية الضيقة! فربنا سبحانه أمرنا مرتين في سورة النساء بقوله: (خذوا حذركم)!
غير أن الحذر والتوعية الشعبية الإيجابية لا تكون بتغذية التعصب والكراهية وإنما بوضع نقاط الاختلاف في سياقها ومناقشتها...
ثمة روابط واقعية للعلاقة بين المذهبين الإسلاميين الأكبر (السنة والشيعة) يجب أن ننتبه دائماً إليها لبناء النظرة المستقبلية والمشروع الحضاري الإسلامي الأرحب.
التكفير خطيئة دينية
ونحن إذ نتعاون مع أهل القبلة لا نجنح عن الرأي الذي تبناه جمهور الفقهاء، واعتمده الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، والذي يحكم بعدم تكفير أحد من أهل القبلة بعينه، ففقد جاء في الميثاق الإسلامي: (...جاءت الأحاديث الصحيحة المستفيضة تحذر من تكفير المسلمين بعضهم لبعض، فلا يجوز التهاون في ذلك بحال، حتى تستبيح كل طائفة تكفير مخالفيها. ...التكفير: خطيئة دينية، وخطيئة علمية، وخطيئة اجتماعية، لأنه يؤدي إلى تمزيق الأمة الواحدة... وإن جاز التكفير بأدلته، فينبغي أن يكون للأنواع لا للأشخاص، فيقال: من قال كذا وكذا فهو كافر، ومن فعل كذا فهو كافر، ومن أنكر كذا فهو كافر.. ولا يجوز أن يقال عن إنسان بعينه: فلان كافر، إلا بعد مواجهة وتحقيق وتمحيص، تنتفي معه كل شبهة، وهذه لا يستطيعها إلاّ القضاء... نؤمن بوحدة أهل القبلة رغم كلّ أنواع الخلاف، وأن المسلمين حيثما كانوا أمة واحدة... وهم - بحكم وحدة العقيدة، ووحدة الشريعة، ووحدة الغاية- تجمعهم الأخوة الإيمانية، والإسلام يجعل لهذه الأخوة حقوقا ثابتة في النصرة والتكافل والرعاية) الميثاق الإسلامي ص19.
من هنا وجب على المتحمسين التوقف عن اقتناص الشواهد والعبارات والفتاوى الخارجة عن رأي الجمهور والتغذية بها!
نعم من حقنا في هذه المرحلة أن نرفض المحور السوري الإيراني سياسيا لا طائفيا، مثلما نرفض المحاور الأخرى التي يجريها النظام في دمشق مع حكومات سنية وغير مسلمة أيضا، على أن موقفنا من إيران والأحزاب الشيعية السياسية في العراق ولبنان، ومنها حزب الله اللبناني، يجب أن يكون أكثر مرونة من أن نحصره في إطار علاقته بالنظام السوري!.
إن الانحطاط بالخلافات السياسية إلى درك التقسيمات الطائفية والصراعات المذهبية والحروب الدينية لهو أشد ما نحذر من الانسياق وراءه، وعلى عقلاء الأمة أن يقفوا بحزم ضد هذا المنزلق الخطير، فعادة ما تكون هذه الحروب من أشرس الحروب وأكثرها دموية!
إننا محليا وإسلاميا بحاجة إلى توافق أهلي يحقن الدماء ويعصم الحرمات ويحفظ بيضة الأمة، بعيدا عن خطاب الاستفزاز والاستعداء الطائفي الذي يخطط لشرق أوسط جديد!


















