مجالس الأنس في رمضان فيينا
ولشهر رمضان في فيينا جوه المحبب؛ فالنمسا بها أطياف عدة من المسلمين الوافدين من جميع دول العالم تقريبًا. ومع هذا الخليط البشري تمتزج في تناغم احتفالات كل جنسية من مسلمي النمسا بهذا الشهر الكريم. فشهر "أوروج" -رمضان- كما يسميه أهل أذربيجان، عامر بالليالي الإيمانية التي تقام فيها المسابقات القرآنية والثقافية، وتنهال التبرعات على المساجد لصالح المنكوبين والمهجرين في الدول الإسلامية والعربية.
دورة (ن4)
وينظم مسجد الشورى بالحي الثاني بالعاصمة فيينا دورة ثقافية في شهر رمضان من كل عام، يتخللها معرض للكتب يحمل هذا العام اسم "ن4" إشارة إلى العام الرابع، وحرف النون الذي شرف بذكره في القرآن الكريم. والمعرض يضم بجانب الكتب الإسلامية مطبوعات ورقية وإلكترونية في شتى العلوم الإنسانية. كما تتوفر الأقراص المدمجة التي تحوي مواد ترفيهية ودينية للكبار والصغار. ويلقى هذا المعرض إقبالاً من رواد المسجد لندرة مثل هذه الكتب في النمسا.
حضائر القدس ومجالس الأنس
|
الشيخ عدنان إبراهيم |
كما يخصص الشيخ عدنان إبراهيم (الفلسطيني المولد النمساوي الجنسية) إمام وخطيب المسجد، درسًا للذكر بعد صلاة التراويح، وخصص دروس هذا العام لعرض سير الصالحين من آل البيت، وكذلك الخلق القويم للمسلم والصفات المحببة إلى الله من عباده؛ وسماه "حضائر القدس ومجالس الأنس".
وعن هذه التسمية يقول الشيخ عدنان: إن الإمام أحمد والترمذي وغيرهما رووا عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا"، قالوا: يا رسول الله وما رياض الجنة؟ قال: "حِلَق الذكر". فالمسلم يأنس بذكر الله وبسيرة رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم. ومجالس الذكر هي خير المجالس وأعلاها قدرًا عند الله؛ لما فيها من تهذيب للنفوس وتقويم للخلق وحض على ذكر الله. فحلق الذكر هي جنات الدنيا التي حرم منها الغافلون والناكبون وسعد بها الذاكرون العابدون.
ويشير الشيخ عدنان إلى أن مجالس الذكر التي هي "حضائر القدس ومجالس الأنس" لا تقتصر على ذكر اسم الله والصلاة والدعاء وحسب، وإنما تشمل التذكير بأوامر الله وحلاله وحرامه، وما يحبه ويرضاه. ويقول: ولهذا كان ابن مسعود إذا ذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم "رياض الجنة حلق الذكر" يقول: "أما إني لا أعني القُصَّاص ولكن حِلَق الفقه"، وقال عطاء الخراساني: "مجالس الذكر مجالس الحلال والحرام، كيف تشتري وتبيع وتصلي وتصوم وتنكح وتطلق...". وكان أبو السَّوّار العدوي في حلقة لجماعة يتذاكرون العلم ومعهم فتى شاب، فقال لهم الفتى: "قولوا سبحان الله والحمد لله"، فغضب أبو السَّوّار وقال: "ويحك في أي شيء كنا إذن؟!".
|
مسجد الشورى بفيينا |
ويُعَدّ مسجد الشورى أحد المساجد في العاصمة النمساوية فيينا التي تشهد إقبالاً من المسلمين هناك للاستماع لإمامه الشيخ عدنان إبراهيم والذي تصفه الصحف النمساوية بأنه أكثر أئمة النمسا تنويرًا ومساهمة في العمل على دمج مسلمي النمسا إيجابيًّا داخل المجتمع بفضل خطبه التي يدعو فيها دائمًا لقبول الآخر كما هو، كسبيل لقبول الآخر للمسلم كما هو.
كما أن العديد من وسائل الإعلام النمساوية تحرص على التقاط ما يخرج من هذا المسجد من كلمات موجهة للمسلمين للمشاركة إيجابًا في المجتمع النمساوي، ولم يَعُد مشهدًا جديدًا لدى رواد المسجد أن يجدوا عدسات التليفزيون النمساوي وسط المصلين في الكثير من أيام الجمع، وسط حشود المصلين الذين يتراوح عددهم بين 1000 و1200 مصلٍّ في أيام الجمع.
ويتبنى مسجد الشورى العديد من الحملات الخيرية التي تسهم في إعانة المحتاجين من المسلمين، ليس في النمسا فقط، بل في العراق وفلسطين، كما وجهت العديد من التبرعات لصالح ضحايا زلزال باكستان الأخير***.
تاريخ الإسلام في النمسا
|
علم النمسا |
اعترفت النمسا بالإسلام كدين رسمي في البلاد عام 1912 في عهد القيصر "فرانس يوسف"، بعد انضمام إقليم البوسنة والهرسك للإمبراطورية النمساوية المجرية، وهو الأمر الذي أدى إلى تضاعف أعداد المسلمين بالإمبراطورية. وقد منح هذا الاعتراف المسلمين ميزات كبيرة مستمرة حتى الآن استنادًا إلى نصوص الدستور الذي يسوِّي بين الجالية المسلمة وغيرها من معتنقي الديانات الأخرى.
وضَمِن الاعتراف الرسمي بالدين الإسلامي حقوق الجالية المسلمة في مواضع مختلفة، مثل حرية ممارسة الشعائر الدينية، وحرية المسلمين في تنظيم الرعاية الدينية الخاصة بهم، وحصول مؤسساتهم على حق حماية جميع أنشطتها الاجتماعية والثقافية والمالية.
وتم تشكيل الهيئة الدينية الإسلامية في عام 1979؛ لتكون الممثل الرسمي للمسلمين أمام السلطات النمساوية. ويترأسها الآن د. أنس شقفة.
واستنادًا إلى هذه الحقوق، تمكنت الأقلية المسلمة من رعاية أبنائها بالمدارس ليصل عدد المستفيدين من دعم الدولة لدروس الدين الإسلامي حوالي 40 ألف تلميذ في مراحل التعليم المختلفة.
كما حصل المسلمون في هذا العام (2005) على هدية قيمة من وزارة التعليم التي وافقت على اعتماد 7 وظائف لمفتشين لتدريس الدين الإسلامي بالمدارس النمساوية.
ويمنح الاعتراف بالجالية الإسلامية في النمسا كذلك فرصة بث برامج منتظمة عن الدين الإسلامي في وسائل الإعلام المختلفة من مسموعة ومرئية ومقروءة.
ويبلغ عدد المسلمين في النمسا وفق آخر تعداد في 2001م 400 ألف مسلم، أي ما يمثل نسبة 5% من تعداد السكان الذي يبلغ 8 ملايين نسمة. وعدد المسلمين في العاصمة النمساوية فيينا يبلغ 121.150، أي نسبة 7.8% من سكان العاصمة، وأعلى نسبة لتواجد المسلمين في النمسا توجد في مقاطعة فورالبرج (غرب البلاد)، حيث تصل إلى 8.4% من عدد السكان هناك. ويبلغ عدد أفراد الجالية العربية في النمسا 50 ألفا.
ويزيد عدد المساجد في النمسا عن 200 مسجد، منها 53 مسجدًا ومصلى في العاصمة النمساوية وحدها.
*** الملفات الصوتية لدروس رمضان بمسجد الشورى موجودة على موقع جمعية لقاء الحضارات المسئولة عن إدارة المسجد


















