أرسل لصديق ||

الإخوان والقرضاوي.. المرجعية وحدود الاختلاف

القرضاوي
القرضاوي
خلال أقل من شهر صدرت من بعض قيادات جماعة الإخوان المسلمين تصريحات صحفية وبيانات ورسائل مسيئة لاثنين من علماء هذه الأمة، يفرقهما اختلاف المواقف السياسية وبعض التوجهات الفكرية، وتجمعهما المرجعية الإسلامية والمكانة العلمية المرتفعة والانتماء للأزهر الشريف- كبرى المؤسسات العلمية الإسلامية، وهما فضيلة الدكتور يوسف القرضاوي –رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، وفضيلة الدكتور علي جمعة- مفتي الديار المصرية.

والحق أن أي متابع للتيار الإسلامي لا بد وأن يشعر بقلق حقيقي حينما يرى هذا التعدي من أبناء الحركة الإسلامية على القامات العلمية الإسلامية الكبيرة، فالأصل أن تدور الحركة الإسلامية في إطار المرجعية العلمية الإسلامية التي يمثلها علماء الشرع، وإذا سارت الأمور على هذا النحو فإن الخلاف بين الطرفين يصير أمرا مستبعدا، إذ أن كلا من الطرفين له مجالاته التي يتحرك فيها وينشط من خلالها، ومساحة التداخل بينهما صغيرة وتحكمها ضوابط واضحة.

تدخلات متبادلة

بيد أن الصورة الواقعية للعلاقة تختلف عن تلك المثالية، فالحركة الإسلامية تتدخل في بعض المسائل العلمية، والعلماء يتدخلون أحيانا في بعض المسائل الحركية، وهذا حقهم، مع ملاحظة أن آرائهم السياسية هي خارجة عن أصل تخصصاتهم، وبالتالي فإن كلامهم فيها ليس عَصِيًّا على النقد، وإن كان النقد في المسائل العلمية ينبغي أن يكون من مجتهد مكافئ للعالم في علمه، فالأمر ليس كذلك في المواقف والآراء السياسية والفكرية، ولكن بالطريق المؤدب اللائق من طلبة العلم تجاه العلماء الكبار والمجتهدين المحترمين.

وغني عن البيان تدخل السياسيين في المسائل العلمية أخطر من تدخل العلماء في المسائل الحركية، إذ الخطأ في المسائل السياسية ليس كالخطأ في المسائل الشرعية التي ينبني عليها – عند الإسلاميين – العمل الحركي بكافة أبعاده السياسية والاجتماعية والثقافية وغيرها.

وهذا التداخل المتزايد في الأدوار (بدخول العلماء في المسائل التنفيذية التفصيلية، وتدخل الحركيين في المسائل العلمية الشرعية) يؤدي إلى وجود مساحات من اختلاف وجهات النظر، وهي غير معتبرة في الساحة العلمية (إذ رأي غير المتخصصين فيها غير معتبر) ولكنها مهمة في الجانب الحركي، وتلك المساحة هي التي تظهر فيها صلابة المنظومة الأخلاقية وعمق الفكر عند الحركيين، إذ أن احترام منزلة العلماء يفرض أولا إحسان الظن بهم، وحمل كلامهم على أفضل تفسيراته، وإدراك أبعاده ومعانيه المختلفة، وإدراك أن الخلاف مع هؤلاء العلماء إنما يجوز خارج مجال تخصصهم، بمعنى أنه لا يصح أن يناقش الحركيون العلماء في المسائل العلمية، وإنما يمكن لهم أن يناقشوهم في المسائل السياسية والفكرية التي تخرج عن صميم تخصصهم العلمي، أما المسائل العلمية –وإن كان لا قداسة فيها لأحد سوى المعصوم صلى الله عليه وسلم- إلا أن دخول غير المتخصصين مع المتخصصين في جدل حولها هو نوع من الاجتراء وسوء الأدب، ينطبق ذلك على العلوم الشرعية كما ينطبق على العلوم المختلفة.

دعوة المفتي لمراجعة عقيدته

وهذا كله بدا غائبا سواء عند مناقشة تصريحات فضيلة المفتي (الذي يختلف فكريا مع الإخوان) أو فضيلة الشيخ القرضاوي (الذي يمثل مرجعية علمية وإلى حد كبير فكرية للإخوان)، فأما الأول فقد سارع بعضهم إلى تأويل حديثه عن ضرورة الفصل بين العمل الخيري والدعوي والعمل السياسي إلى اعتبار ذلك دعوة لحصر الإسلام في العمل الدعوي والخيري لا دعوة للفصل الإجرائي الذي يأتي من باب احترام التخصص، وتبع ذلك سوء أدب مع العلماء تضمن دعوة للمفتي –بناء على ما سبق- بأن يراجع عقيدته!!

.. والقرضاوي للتوبة

وأما ما يحدث الآن مع الدكتور القرضاوي (بعد تصريحاته الأخيرة التي اعتبر فيها إبعاد الإصلاحيين بالجماعة خيانة للدعوة) فلا يقل عن ذلك سوءا، حتى وإن غلف من الخارج بألفاظ توحي باحترام فضيلته، فإن الاحترام في المضمون أهم منه في اللفظ، فهذه المقالات والتعليقات التي جاءت ردا على تصريح فضيلته أجمعت في معانيها على أنه يتبع الظن ويستقي معلوماته من مصادر غير موثوقة ثم يصدر أحكاما، وأنه انقلب على ما ظل عمره يدعو إليه من احترام الشورى والمؤسسية، وأنه يتحدث بغير علم، وأنه يشعل نار الفتنة في الإخوان، وأنه ينحاز إلى تيار تقوم أجندته الإصلاحية على أسس ليست إسلامية، بل إن بعض التعليقات تدنت عن هذا المستوى ودخلت في تفصيلات تتعلق بالحياة الشخصية لفضيلته لتوظفها في محاولة لكسر مصداقيته كي لا يكون لتصريحاته أثر، هذا بالإضافة إلى عشرات النصائح له بالتوبة عما قال (كما لو كانت ذنبا) قبل أن يلقى ربه، عساه يلقاه وقد برئت ذمته من هذه الخطيئة الكبرى!!

ولست في منزلة الدفاع عن من هم مثل الشيخ القرضاوي، وليس فضيلته بحاجة لذلك، فالخاسر بإساءة الظن والأدب بالعلماء هم من أساؤوا الظن والأدب، ولكن مرور تصريحات مثل هذه من دون تعليق عليها يسيء إلى الحركة الإسلامية وفي القلب منها الإخوان تنظيما ومدرسة (والثانية أوسع من الأولى، والأولى إن لم تعبر عنها فقدت شرعيتها)، فالحركة إن أساءت الأدب مع العلماء وخرجت عن الدوران في فلكهم صارت هي مرجعية ذاتها، وهي ليست أهلا لذلك، وصار الحركيون يتحدثون باسم الدين، وهم ليسوا أهلا لذلك، ولا المجالات التي يتعاملون فيها تحتمله، وبالتالي فمحاولة تحليل ما قاله الشيخ ليست دفاعا عنه بقدر ما هي نقد لظاهرة غير صحية تتعلق بعلاقة الحركة الإسلامية بالعلماء.

مصادر القرضاوي

أما بخصوص ما قاله فضيلته فأتصور أن افتراض أنه لم يستق معلوماته من مصادر موثوقة هو افتراض باطل، فقد صرح بأنه تحدث مع مرشد الإخوان الذي حدثه بتفاصيل ما جرى، واللافت للنظر هنا هو أن ذلك التوضيح موجود في قلب التصريحات التي استاءت منها قيادات الإخوان، مما يدع المرء أمام خيارين لا ثالث لهما؛ فإما أن من علق على تصريحات فضيلته لم يقرأها كاملة واكتفى بالعناوين ثم علق عليها –وتلك مصيبة- وإما أنه قرأ ما قاله الشيخ وقرر تجاهله- وتلك أيضا مصيبة، ولا أدري في الحقيقة أيهما أكبر، إذ الثانية (التجاهل المتعمد) لها هي الأخرى تفسيراتها، فهي تعني أن الكاتب لا يصدق الدكتور القرضاوي فيما ادعاه من مصدر معرفته، أو أنه لا يعتبر مرشد الجماعة شخصا موثوقا في عدالته، وأما الخيار الثالث فهو أن تكون الصحيفة قد حرفت تصريحات الشيخ القرضاوي، وهو خيار باطل نفاه مكتب الشيخ كما نفاه نشر الخبر على موقعه.

القرضاوي والشورى

ثم إن إدعاء أن موقف الدكتور القرضاوي هو نكوص عن مواقفه من الشورى والمؤسسية هو ادعاء يفتقر للرؤية المتعمقة؛ إذ تنبني هذه الدعوى على أن المسألة إنما تتعلق بالحلقة الأخيرة من سلسلة طويلة من الإجراءات وهي التصويت على قبول أحد تفسيري اللائحة فتجعل اعتراض فضيلته اعتراضا على ما آلت إليه نتيجة هذا التصويت لا ما سبقها من خطوات وإجراءات ولا ما صاحبها من أهداف وتوجهات، وهو ما يطرح أسئلة جادة عن السبب الحقيقي للجوء للائحة (التي تم تجاوزها في أحيان كثيرة بدعوى مصلحة الجماعة والدعوة) وعمل بحث لدراسة إن كانت اللائحة تسمح بالتصعيد (هذه المرة تحديدا لا في المرات السابقة) ثم اختيار المكتب الكامل لهذا التأويل البعيد للائحة (الذي لم يجر عليه العمل في الجماعة) ثم دفاع الإخوان عن ذلك باعتباره التزاما باللائحة (والغالبية العظمى من التنظيم لم تقرأ اللائحة ولا تعرف عنها شيئا وتكاد لا تهتم بها).

 وقد لا يكون من الحكمة الخوض في تفصيلات هذه الأمور ومحاولة عرض دقائقها التي دفعت الشيخ للإدلاء بتصريحاته، فليس هذا مكانها، وإنما كان لا بد لمن تصدى للرد على فضيلته أن يضع كلامه في موضعه الذي أراد ثم يناقشه بدلا من محاولة تصويره كما لو كان رفضا للشورى.

ثم إنه لمن سوء الأدب مع العلماء أن يناقشهم العوام بالدليل والبرهان من القرآن والسنة، فقد تعلمنا أن الدليل إنما يناقشه ويقدر عليه أهل الاختصاص، وفهم الدليل الشرعي مسألة شديدة التركيب فيها مباحث لغوية ومنطقية يفنى العلماء أعمارهم في دراستها، واستخدام الدليل الشرعي في مساحات المصالح المرسلة، أو منطقة العفو كما يطلق عليها الشيخ القرضاوي هو استخدام للنص في غير ما أنزل من أجله، وهو افتراء واجتراء على النص.

أجر المجتهد

وأما أن يطلب البعض من فضيلته التوبة عما قاله فإنه يدل على جهل مضاعف، إذ يضاف بذلك إلى الجهل الأول (بعدم إدراك مقصده مما قال) جهل آخر هو عدم معرفة أن للمجتهد أجرا إن أخطأ (إن كان من أهل الاجتهاد بكل تأكيد)، والشيخ اجتهد في هذه المسألة وقال رأيا قد يختلف البعض حوله، ولكنه في نهاية المطاف مأجور عليه بفضل الله.

ويبقى أخيرا محاولة البعض تعريف فضيلته بمحاسن الإخوان، وببذلهم وتضحياتهم في سبيل دعوتهم، وبأنهم لا يبحثون عن مناصب ولا جاه، وإرشادهم إياه إلى أن الإصلاح الذي يسانده هو إصلاح مخالف لمنهج الجماعة، وهذا الكلام –على عواره- لا يستحق ردا، ولذلك فقد امتنع الشيخ من الرد عليه، إذ إن فضيلته تمتد صلته بالإخوان أكثر من أعمار من يعرفونه بهذا، وهو أعرف بمنهج الجماعة من هؤلاء الذين نصبوا أنفسهم مدافعين عنها، فقد رافق مؤسسها –كما رافقه مرشد الجماعة الحالي- وشرب منه منهج الجماعة أيام كانت تسير على نهج الإمام البنا.

وقد يكون من المهم في هذا الإطار الربط بين تصريحات الشيخ الأخيرة وتصريحاته المتعلقة بأفكار الأستاذ سيد قطب رحمه الله، والتي اعتبرها فضيلته خارجة على منهج أهل السنة والجماعة وأكد بعض قادة الجماعة ثبات الجماعة عليها والتزامهم بها، ويلزم من ذلك قطعا –ومع إصرار قيادات الجماعة على موقفهم من الشهيد قطب، ومع ما علمه من تفاصيل الأزمة الأخيرة- أن يعتبرهم فضيلته قد خانوا الدعوة!!

إن أكبر الأخطار المحيطة بالإخوان ليس الخطر الأمني، فذلك لا يؤثر على أفكار الجماعة ومنهجها، وإنما أخطر المخاطر على الجماعة هو خطر من داخلها، خطر أن تصبح الجماعة مرجعية ذاتها فلا تقبل من أقوال العلماء إلا ما وافق أجندتها، وتتحول هذه الأجندة بالتالي إلى المرجعية والعلماء إلى وسائل لخدمة هذه المرجعية، وقتها ستكون الجماعة بحق –كما ينعتها أعداؤها بالباطل- تستخدم الدين لخدمة السياسة لا العكس، وحاشاها أن تكون كذلك، والحمد لله رب العالمين.


باحث مصري.

جروب "الإســــــلاميــون" على الفـيس بوك يفتح لك نافذة للإطلاع على أحدث الموضوعات التي تتناول شئون الحركات الإسلامية والطرق الصوفي