مستشار الخليفة العام للطريقة المريدية في حديثه لـ "الإسلاميون.نت"
شيخنا امباكي: من يخسر"المريدية" يخسر انتخابات السنغال
النشاط الاقتصادي لا يتعارض مع زهد المتصوفة
تأسست الطريقة المريدية أواخر القرن التاسع عشر على يد الشيخ السنغالي أحمدو بمبا الذي عرف بمقاومته للاستعمار الفرنسي التي أدت إلى نفيه إلى الجابون ثم إلى موريتانيا، ثم وضعه تحت الإقامة الجبرية بعد عودته لبلده عام 1907.. هذه المقاومة وما ترتب عليها أدت إلى ازدياد عدد أتباع ومريدي الشيخ؛ ما جعل المريدية الآن أكثر الطرق انتشارا في السنغال.
وينشط "المريدون" في الكثير من المجالات في السنغال؛ حيث يديرون عددا كبيرا من المدارس والمعاهد والمستشفيات، وينشطون بقوة على المستوى الاقتصادي في مختلف القطاعات الإنتاجية وعلى رأسها الزراعة، كما تلعب المريدية دورا لا يستهان به في الجانب السياسي، ويكفي القول هنا إن الرئيس الحالي للسنغال عبد الله واد من أتباع الطريقة المريدية التي قامت بدور كبير في المساهمة في إيصاله للرئاسة عبر حث أتباعها على التصويت له ضد الرئيس السابق عبدو ضيوف الذي فقد دعم المريدية نتيجة سياساته العلمانية.
والمقر الرئيسي للطريقة المريدية هو مدينة "طوبى" ثاني أكبر مدن السنغال، والتي أسسها الشيخ أحمدو بمبا، وبها الخلافة العامة للطريقة المريدية، وضريح الشيخ بمبا، والجامع الكبير، بالإضافة إلى عدد كبير من المدارس والزوايا.
"إسلاميون.نت" كان له هذا الحوار مع الشيخ "شيخنا إمباكي" ابن الشيخ محمد الأمين الخليفة العام للطريقة المريدية، ومستشار الشئون الخارجية والثقافية في الخلافة العامة للطريقة المريدية، وقد تحدث فيه عن المبادئ التي تقوم عليها الطريقة المريدية، وأوجه نشاطها، وعلاقاتها مع القوى الإسلامية في المجتمع السنغالي، والدور الذي تقوم به في مواجهة محاولات التشييع التي يقوم بها البعض في الساحة السنغالية.
* ما هي أهم الأسس التي تقوم عليها الطريقة المريدية؟
- أسست الطريقة المريدية على يد الشيخ أحمدو بمبا الذي سمي بـ"خادم الرسول"، وقد ولد في أسرة قادرية، لكنه استعمل جميع الأوراد الموجودة آنذاك مثل الورد التيجاني والورد الشاذلي حتى وصله الورد من الله سبحانه وتعالى بواسطة رسوله أثناء إقامته في موريتانيا التي نفاه إليها الاستعمار الفرنسي.
والمريدية هي الطريقة الوحيدة التي تسمح لأتباعها باستخدام أوراد طرق أخرى.
وقد أحدث الشيخ بمبا ثورة علمية وثقافية كبيرة؛ حيث جمع بين التربية والترقية، وبدلا من الاكتفاء بقراءة الكتب بدأ بإدخال الممارسة في التصوف، فقد بنيت الطريقة المريدية على عدة مبادئ أولها العلم، والعمل الذي يعني العبادة وتربية العقل والكسب الحلال، وكان الشيخ بمبا يحرص على الاستقلال العلمي والاقتصادي "للتفرغ لعبادة الله" دون تدخل من أحد.
زهد ونشاط اقتصادي
* ولكن ما مفهوم "التفرغ للعبادة" عند أحمدو بمبا وعند الطريقة المريدية؟ هل يقتصر على الشعائر والذكر أم هو أكثر شمولا من ذلك؟
- الشيخ بمبا كان يعرف ما يليق بكل واحد من مريديه؛ فمن يصلح لطلب العلم يرسله للدراسة، ومن لا يصلح للدراسة يعمل، ومن يصلح للتفرغ للعبادة يتفرغ، وهذا منهج تكاملي فكل ميسر لما خلق له، لذلك نجد من أتباع المريدية من كان أعلم علماء عصره، ومنهم أغنى أغنياء عصره؛ وهذا يأتي بالعمل والتوكل لا بالتواكل.
وكذلك تجد مريدين في جميع المجالات الحرفية والمهنية، وفي هذا المجال بالذات قام أحمدو بمبا بقلب الموازين وتغيير القواعد المجتمعية السائدة؛ فالمجتمع السنغالي قائم على الطبقات، وهناك حرف معينة تمتهنها الطبقات الدنيا في المجتمع مثل الحدادة والنجارة، فجاء الشيخ بمبا وعمل على تغيير هذا النظام؛ فكان مثلا يأمر عددا من أبناء الطبقة العليا بامتهان الحدادة، ويأمر عددا ممن عرفوا بالعمل في الحدادة بكتابة كتاب الله.
* يدير أتباع الطريقة المريدية الكثير من الأنشطة الاقتصادية في السنغال، ألا ترى أن هذا يتعارض مع التصوف الذي يعد الزهد في الدنيا من أهم جوانبه؟
|
|
|
شخينا إمباكي أثناء حضوره لمتلقى صوفي في المغرب |
- من يرى تناقض الصوفية والزهد مع العمل والكسب الحلال لا يفهم الإسلام فهما صحيحا؛ فالرسول صلى الله عليه وسلم قال لصاحبه الذي ترك ناقته بدون أن يعقلها معتبرا ذلك توكلا على الله: "اعقلها وتوكل"، والتوكل مختلف عن التواكل، والإسلام دين ودولة.. عبادة وعمل.
وفهم الشيخ أحمدو بمبا ذلك، وهو في جميع كتبه لا يقول بالعمل ولكن يدعو للكسب الحلال "إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا"، فهو لا يطلق العنان لمريديه ليجعلوا سبب حياتهم كسب المال، أو ليعبدوا المال مثلما ذم الله تعالى اليهود، ولكن كان مبدؤه أن يعمل المريد لدنياه كأنه لا يموت أبدا، وأن يعمل للآخرة كأنه يموت غدا.
وفي عصرنا الحالي من لا يجد وسائل لخدمة دينه وخدمة شعبه فلن يحقق شيئا مهما تعبد ومهما بقي في الصوامع، والهدف الأهم من وراء العمل هو الاعتماد على النفس والاستقلال؛ فمن أعانك أو ساعدك يكن له كلمة فيك.
مؤسسات المريدية
* ما هي أهم المؤسسات التعليمية أو الاقتصادية التابعة للطريقة المريدية في السنغال؟
- هناك آلاف المعاهد التابعة للطريقة المريدية في السنغال وخارجها، ولكن لابد من التوضيح أن الخلافة العامة للطريقة المريدية ليست منظمة تكسب الأرباح وتدير المؤسسات الاقتصادية، ولكن كما قال أحد العلماء أحسبه حسن البنا بأنه لم يؤلف كتبا ولكنه يكوّن المؤلفين، وبالتالي لا يمكن القول إن شيخ الطريقة المريدية أو الخلافة العامة لديها بنوك ومؤسسات، وإنما أتباع الطريقة المريدية يقدمون كل ما لديهم للطريقة وللإسلام والمسلمين؛ لأنهم تلقوا درسا في التعاون على البر والتقوى، لذلك تجد أفرادا ومؤسسات وشركات تابعة للطريقة المريدية ولكن ليس للخلافة العامة للطريقة المريدية، وشيوخ المريدية لا يدخلون بشكل مباشر في الأعمال.. الخلافة العامة تقوم بدور التوجيه لكي يكون هناك قطاع عام للطريقة المريدية وأتباعها.
* يعني يمكن القول إن هناك نوعا من تقسيم العمل داخل الطريقة المريدية بحيث يكون هناك من يباشر الأمور والمؤسسات الاقتصادية، وهناك من يتولى المؤسسات التعليمية، وهكذا؟
- نعم، والآن يقال مثلا إن أكثر من 60% من الاقتصاد السنغالي في يد أتباع الطريقة المريدية، وفي السياسة كذلك؛ فرئيس الدولة من أتباع الطريقة المريدية، وأحد الوزراء كذلك.
شكل المساهمة السياسية
* هل هذا يعني أن رئيس الدولة يرجع إلى الخليفة العام للطريقة المريدية ويستشيره في القرارات التي يتخذها؟
- نعم؛ لأنه لا يمكن أن تثق في شخص أو نظام فيما يتعلق بأمور آخرتك ولا تثق به فيما يخص دنياك، والرئيس السنغالي لا يستشير فقط الطريقة المريدية؛ فهو يستشير أيضا شيوخ الطرق الصوفية الأخرى وكذلك الأقلية المسيحية.
* ولكن كون الرئيس السنغالي من أتباع الطريقة المريدية ألا يجعل ذلك للمريدية مكانة مميزة في إدارة الدولة عن باقي مكونات المجتمع السنغالي؟
- بالعكس؛ فقد رأس السنغال رئيس مسيحي لأكثر من ثلاثين عاما وكان مؤيدا من الطريقة المريدية؛ فالنظام السنغالي يتجاوز كل هذه الانتماءات، وكون الرئيس من أتباع الطريقة المريدية لا يعني زيادة نفوذ الطريقة المريدية، وإنما انتشارها يرجع إلى كونها الطريقة الوحيدة التي أسست على يد رجل إفريقي سنغالي، وأصبحت تنتشر بين أغلبية الشعب السنغالي، وكذلك تنتشر في دول أخرى.
* ما هو شكل المساهمة السياسية للطريقة المريدية بالسنغال؟ وهل تدعمون مثلا أحزابا بعينها أو مرشحين بعينهم، أو هل يوجد حزب بعينه يمثل الطريقة؟
- يوجد في جميع الأحزاب السياسية مريدون وغير مريدين، وهناك حزب أسسه أحد أفراد أسرة شيوخ الطريقة المريدية ولكن حتى داخل هذا الحزب يوجد أعضاء من خارج الطريقة؛ فالطريقة ليست الميزان في الانتماء السياسي في السنغال.
* هل تلزم الطريقة المريدية أتباعها بالتصويت لهذا الحزب فقط ودعمه؟
- هذا الحزب لا يمثل سوى 5% أو أقل من الشعب السنغالي، بينما أغلب السنغاليين مريدون، والخيار في هذه الأمور لا يرجع للخلافة المريدية.
* هل هذا يعني أن الطريقة لا تقوم بتوجيه أتباعها لصالح مرشحين أو أحزاب بعينهم؟
- اختلاف الآراء يوجد حتى بين أفراد الأسرة الواحدة، وكل مريد له الخيار في اختيار من يريد، وربما يكون للخليفة العام رأي خاص، وفي هذه الحالة قد يوصله للمريدين بالتلميح، وأثناء الحملات الانتخابية قد يقوم شيوخ الطريقة بالتلميح بدعم مرشحين معينين، وفي النهاية الكل يعرف أن من يخسر الطريقة المريدية يخسر الانتخابات.
* كيف هي علاقة الطريقة المريدية بالمكونات الإسلامية الأخرى التي تعمل في السنغال؟
- لقد ساهمت شخصيا في العمل من أجل تعزيز العلاقات بين جميع الفئات من المسلمين والمسيحيين، وأقوى مثال على ذلك أن أتباع "عباد الرحمن" المؤسسة السلفية الأولى في السنغال يحضرون احتفالاتنا ونحضر احتفالاتهم.
* هل هذا يعني أن علاقة السلفية في السنغال بالصوفية جيدة ولا ينكرون عليهم شيئا؟
- لا، أنا لا أتحدث عن السلفية ككل، فكما تجد بعض الشطحات في الصوفية تجد كذلك شطحات في السلفية، وليس العبرة بالمسمى وإنما بالممارسة، فهناك من ينبذون كلمة الصوفية ولا يريدون أن يعرفوا شيئا عنها، ولا أن يميزوا بين الطيب والخبيث، وكذلك هناك من ينبذون كلمة السلفية، ولكن الحمد لله الأغلبية في السنغال فهمت أن العبرة ليست في الكلمات والمسميات.
* إذن هل يوجد بين السلفيين في السنغال من ينكر على الصوفية ويتهمهم بالابتداع في الدين كما هو الخطاب السلفي العام؟
- طبعا يوجد؛ ففي جميع الجماعات يوجد المعتدلون والمتطرفون، وهناك من لا يفهمون قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هلك المتنطعون".
تنسيق إسلامي
* هل هناك مشاريع مشتركة تقوم بها الطريقة المريدية مع السلفيين أو غيرهم من القوى الإسلامية؟
- نحن في الطريقة المريدية -وخاصة في عهد الوالد الخليفة محمد الأمين- دائما ما نسعى إلى مزيد من الانفتاح والتفاهم وتوحيد الصفوف، وقد قطعنا شوطا كبيرا في التقريب بين مشايخ التصوف، وهناك الكثير من الملتقيات والمؤتمرات والندوات يحضر فيها السلفيون والصوفيون، وهناك كذلك المجلس الإسلامي الأعلى الذي يضم السلفية والصوفية وجميع التيارات الإسلامية، ويعمل على إيجاد مناخ طيب للعمل الإسلامي المشترك بغض النظر عن الانتماءات الطرقية والحركية، وهناك مشاريع كثيرة لفتح المجال للعمل الإسلامي المشترك.
* هذا يعني أن علاقتكم مع الطرق الصوفية الأخرى جيدة؟
- علاقتنا بالطرق الصوفية الأخرى جيدة وفي تحسن دائم، وشيوخ الطرق يلتقون ببعضهم البعض بشكل دائم، ولكن للأسف الحال ليس كذلك على مستوى الأتباع؛ فمنهم من يجهلون حقيقة أفكار شيوخهم، وأنا دائما أقول إن الغرض من تعدد الطرق الصوفية ليس التنافس، وإنما يمكن تشبيه الأمر ببستان؛ هو الإسلام، وكل طريقة صوفية تقوم بزراعة جزء من البستان، وهو ما يصب في النهاية لصالح البستان ككل، ونحن نعمل على توعية الأتباع من خلال منابرنا الإعلامية بأن الجميع يعمل في النهاية من أجل الإسلام.
* قرأنا عن وجود محاولات لنشر المذهب الشيعي في السنغال واستغلال انتشار النزعة الصوفية التي تقترب من الشيعة في بعض الجوانب لهذا الغرض، فما الدور الذي تلعبه الطريقة المريدية لمواجهة هذه المحاولات؟
- "كل حزب بما لديهم فرحون"، وقد تمكنت السنغال التي كانت العاصمة الفرنسية لغرب إفريقيا من الحفاظ على إسلامها، وعندما خرج الاستعمار كان 95% من السكان مسلمين، وحدث هذا بفضل الطرق الصوفية، والآن تأتي ظاهرة التشيع ويستعمل الشيعة نفس المنهج الذي استخدمه الاستعمار وفشل؛ ألا وهو الإغراءات المادية، وهنا يأتي دورنا في تأصيل التصوف، والعمل من خلال العمل الإسلامي على توجيه الشباب للتمييز بين الصحيح والسقيم، وبتوفيق من الله سنقف أمام جميع التيارات المنحرفة، سواء تلك التي تتسمى بأسماء إسلامية أو غير إسلامية، وستظل كلمة الله هي العليا.
جروب "الإســــــلاميــون" على الفـيس بوك يفتح لك نافذة للإطلاع على أحدث الموضوعات التي تتناول شئون الحركات الإسلامية والطرق الصوفية


















