كان الحكم بعشرين سنة سجنا لكل منهما ضربة قاسية للجماعة
مستقبل العدل والإحسان المغربية بعد الإفراج عن "الطلاب" المعتقلين
من دون شك أن يوم الأحد الفاتح من نوفمبر 2009سوف يبقى محطة بارزة إن لم تك مفصلية في تاريخ جماعة العدل والإحسان .فهو اليوم الذي يصادف خروج طلبة العدل والإحسان من السجن بعد قضائهم لعشرين سنة من الاعتقال عقب اتهامهم في أحداث عنف شهدتها جامعة محمد الأول بوجدة مطلع التسعينات من القرن الماضي.
وتكمن أهمية المحطة في معطيين أساسيين .المعطى الأول و هو مدى صمود الجماعة المعارضة وعدم تنازلها عن مبادئها و قناعاتها.و عليه تكون جماعة الشيخ عبد السلام ياسين قد ربحت الرهان المفتوح من دون أن تقدم تنازلا يذكر، أما المعطى الثاني فهو استفادة الجماعة بأطر علمية مؤهلة، وضخها بدماء جديدة ومن طينة مميزة ومميزة جدا. فالأطر الإثنا عشر كلها تعانق سماء الحرية وفي جعبتها تسعة من شواهد دكتوراه دولة فضلا عن عشرات الشواهد العليا. مما يعد مكسبا استراتيجيا للجماعة المحاصرة.
| شـاهد: |
العودة إلى عشرين سنة خلت
قد يكون السؤال المتكرر: هل كان من الضروري أن تكون الضريبة غالية؟ أي عشرين سنة كاملة؟ والحال أنه لا يمكن فصل الأحداث بعضها عن بعض وذلك لتشابك الخيوط وتداخل المعطيات. ففي مطلع التسعينات كان نظام الملك الحسن الثاني يعيش حالة من الاهتراء السياسي حتى أن الملك أعلنها صريحة بأن المغرب على وشك السكتة القلبية. سيما بعد الموجات غير المسبوقة من النقد الخارجي اللاذع نتيجة التدهور الخطير لحقوق الإنسان والمضايقات الكبيرة التي طالت حريات التعبير.
وفي مقابل هذا كانت تحديات وأزمات خانقة تطل برؤوسها على المغرب . ومنها الأزمة الاقتصادية والسياسية الداخلية وسعي الحسن الثاني إلى ضم صفوف المعارضة من أجل ترميم الخرق السياسي.
|
|
|
عبد السلام ياسين |
وعلى المستوى الخارجي كانت الجارة الجزائر تغلي بالأحداث السياسية الكبيرة. لاسيما بعد اكتساح جبهة الإنقاذ الإسلامية بالجزائر للانتخابات البلدية سنة 1990، ثم الانتخابات البرلمانية نهاية 1991. مما جعل البعبع الإسلامي أمرا واقعا. وإذا كان النظام قد دشن حملة من التقرب إلى المعارضة وفتح قنوات اتصال معها قصد إشراكها في تدبير الشأن الحكومي، فإنه قد انتهج سياسة مغايرة تجاه الإسلاميين عامة وجماعة العدل الإحسان خاصة، حيث ارتفعت وتيرة التصعيد. بداية بفرض الإقامة الجبرية على مرشد الجامعة الشيخ عبد السلام ياسين في30 ديسمبر 1989. ووصولا إلى اعتقال مجلس إرشاد الجماعة في 13 يناير 1990 والحكم عليه بالسجن سنتين نافذة.
وتزامنا مع ذلك، كانت الساحة الجامعية المغربية تشهد تقدما غير مسبوق للقوى الإسلامية وفي مقدمتهم الفصيل الطلابي التابع للجماعة. هذا التقدم نتج عنه اندلاع مواجهات عنيفة بين الفصائل الإسلامية والفصائل الماركسية القاعدية. وقد كانت أعتى المواجهات تلك التي شهدتها الساحة الجامعية بكل من جامعة فاس التي عدت معقلا تاريخيا لقوى اليسار، وجامعة محمد الأول بمدينة وجدة. هذا الصراع المفتوح أسفر عن مقتل طالب بجامعة محمد الأول بوجدة منتم لأحدى الفصائل القاعدية. والذي اتهم الإسلاميون بقتله.
إذ وجهت أصابع الاتهام لفصيل العدل والإحسان حيث داهمت قوات الأمن أحد المنازل السكنية لطلبة الفصيل. أسفر عنها اعتقال كل من وجد في المنزل. الشيء الذي يوحي بأن الهدف كان توجيه ضربة قاصمة للفصيل....في المقابل اعتبرت الجماعة المحاكمة سياسية بالأساس، وطعنت فيها معتبرة أن المحاكمة شابتها خروقات جمة: كانعدام حالة التلبس, وقصر المدة التحقيق وغياب الإثبات القانوني ورفض المطالبة بإجراء الخبرة وخرق علنية الجلسة ......ليصدر الحكم فجر يوم 9 يناير 1992 بعشرين سنة سجنا نافذة في حق 12 طالبا انضاف إليهم آخر لاحقا. وأحكام أخرى ما بين السنتين والثلاث سنوات لفائدة عدد أخر من طلبة الفصيل.
المعتقلون يتصدرون المشهد
لقد كان الحكم الصادر بعشرين سنة سجنا ضربة قاسية للجماعة وما تلاها من حملة اعتقالات عارمة. فأن يقضي شباب زهرة عمرهم في السجن شيء يستحق أن تتوقف عند الجماعة طويلا. وهذا ما حدث فعلا حيث تحول الطلبة المعتقلون إلى إحدى أولويات الجماعة على الصعيدين الداخلي والخارجي :
فعلى الصعيد الداخلي:
أنشأت الجماعة لجنة أقرب منها إلى مؤسسة، عرفت بمؤسسة السجين عهد إليها الإشراف على ملف الطلبة ومتابعتهم وذويهم. بدءا بالإشراف على زياراتهم وتنظيمها والتكفل بنفقات دراستهم وكذا عائلاتهم. ولهذا الغرض أحدثت مساهمة شهرية ضمن المسامات الشهرية عرفت بدرهم السجين يدفعه الأعضاء إلى هذا الصندوق المخصص. ثم تم العمل على تعبئة الحدث داخل صفوف الأعضاء وذلك بتخليد احتفالات سنوية عرفت بيوم المعتقل وحدد لها كموعد اليوم الذي اعتقل فيه الطلبة. فضلا عن طبع عدد من الكتيبات والمطويات واليوميات المعرفة بقضية السجناء، وإنتاج أشرطة وثائقية كذلك.
هذا ناهيك عن استثمار الحدث على مستوى الجامعات .حيث صور المعتقلين الاثنا عشر تعد أحد العناوين والعلامات البارزة في أنشطة الفصيل الطلابي لجماعة العدل والإحسان. كما أن اعتناء مرشد الجماعة الشخصي بملف الطلبة المعتقلين وبعثه لهم رسائل دورية وأخرى من الطلبة إلى المرشد. رفع من القيمة الاعتبارية للطلبة المعتقلين. ويكفي أن تكون أول زيارة يقوم بها مرشد الجماعة الأستاذ عبد السلام ياسين عقب خروجه من الحصار يوم الجمعة 19 أبريل 2000إلى الطلبة بسجن القنيطرة -شمال غرب المغرب .-علما بأنه تم منعه والمركب المرافق له من زيارة المعتقلين ليكتفي بمكالمة هاتفية من على أسوار السجن.
أما على المستوى الخارجي:
|
|
|
فتح الله أرسلان |
فقد تصدر ملف الطلبة المعتقلين أجندة المفاوضات واللقاءات غير المباشرة التي جمعت الجماعة والنظام المغربي، والتي أعلنت عنها الجماعة ولأول مرة في الندوة الصحفية لـ 21 مايو 2009 بمناسبة مرور ثلاث سنوات على انطلاقة الحلمة الجديدة من المداهمات. إذ أكد الناطق الرسمي للجماعة الأستاذ فتح الله أرسلان بأنه قد جرى الاتصال بالجماعة من طرف مبعوثي القصر مرتين مرة في عهد الملك الراحل الحسن الثاني وتحديدا في سنة 1991 بيد أن الجماعة بدلت جهدا كبيرا لإفشال المساعي لتأكدها من أنها لا تصب لصالحها، والمرة الثانية في عهد الملك محمد السادس. وتولى المهمة أولا السيد أحمد حرزني الذي يشغل رئيسا للمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان-مؤسسة حقوقية حكومية -.
هذا الأخير كان وسيطا بين مبعوث القصر، السيد حسن أوريد الناطق الرسمي باسم القصر وصديق الملك، وما بين الجماعة. وكرس الاتصال بعقد لقاء بين السيد حسن أوريد الناطق الرسمي باسم القصر حينئذ وصديق لملك وبين أعضاء من قيادات الجماعة لم يسفر عن هويتهم -وغالبا ما كان الأستاذان فتح الله أرسلان وعبد الواحد المتوكل ضمن الوفد المفاوض -وقد كان فحوى اللقاء، عن صيغة مرضية لرفع الحصار عن المرشد.
وقبلت الجماعة بلقاء مبعوث القصر. وهنا اختلفت الأجندة. فالقصر كان كل همه رفع الحصار عن المرشد والانتهاء من هذا الملف. بينما اعتبرت الجماعة أن حصار المرشد هو فقط أحد وجوه الحصار، لذا وجب أولا الحديث عن ملف الطلبة المعتقلين من فصيل العدل والإحسان والمحكوم عليهم بعشرين سنة سجنا، والذين قضوا حينها نصف المدة، ثم ثانيا الحديث عن حصار الجماعة ككل، وأخيرا ملف المرشد. وكان رد القصر في شخص الأستاذ أوريد أن الأمور يجب أن تتدرج، مما يتطلب بعضا من الوقت ......وتفرقا الطرفان من دون أن يخرجا باتفاق أو صيغة مشتركة ترضي كلا الجانبين؟
سؤال الموقع داخل الجماعة
ويبقى بيت القصيد من هذه الأسطر هو سؤال ماذا سيكون موقع الدكاترة المفرج عنهم بعد خروجهم من السجن وقضائهم مدة محكوميتهم؟ وهل سيكون إلتحاقهم بالجماعة ضخة قوية لها من شأنها أن تجدد المشهد القيادي داخل الجماعة. وقبل ذلك لا بد من الإشارة إلى أنه على الرغم من الأحكام القاسية التي طالت الطلبة الاثنا عشر. ففي المقابل لا يمكن أن ننكر بأن النظام المغربي قد قدم خدمة معتبرة للجماعة بحيث يعد اعتبار أن مدة الاعتقال كانت عبارة عن تربص وتكوين وتحصيل علمي مفتوح كلل بالنجاح. وهذا ما يؤكده غير واحد من قيادات الجماعة بقولهم رب محنة في طيها منحة!
ومن جهة أخرى استثناء الطلبة الجماعة من العفو الشامل الملكي في يوليو 1994. وكذا ما عرف بانفراج أكتوبر 1998واللذان مهدا الطريق لوصول المعارضة الاشتراكية لقيادة الحكومة وتصفية عدد كبير من ملفات الاعتقال السياسي ..كل ذلك صب في صالح الجماعة التي ظهرت بمظهر العصي على الاستيعاب والإحتواء.
وبالعودة إلى سؤال الموقع فإنه لا يسعنا إلا أن نتنبأ بعدة سيناريوهات للإدماج. وذلك نتيجة شح المعلومات والتي هي في الأساس خبايا تنظيمية للجماعة لا أظن أنها ستسفر عنها. على الأقل في المدى القريب.
1- إنشاء مؤسسة علمية قيادية داخل الجماعة :
وهذا احتمال وارد لعدة اعتبارات، منها ما هو ذاتي ومنها ما هو موضوعي.
فعلى المستوى الذاتي: هناك معطى التحصيل العلمي المعتبر الذي حصله المعتقلون طيلة العشرين سنة. أسفرت عن 9 من شواهد الدكتوراه في شتى المجالات الشرعية والتقعيدية فضلا عن عدد من شواهد الماجستير وشهادات الدراسات المعمقة. وقد أشرف على رسائل الدكتوراه خيرة الأطر العلمية بالمغرب كالدكتور أحمد الريسوني ورائد علم القراءات الدكتور التهامي الراجي، والدكتور فاروق حمادة ..ثم هناك المدة الطويلة التي قضاها المعتقلون سوية، وعمرها عشرون مما يتيح لهم أن يكونوا مؤسسة منسجمة ومتكاملة.
على المستوى الموضوعي: إلتحاقهم بالعمل الدعوي والتنظيري سوف يخفف العبء على باقي مؤسسات الجماعة، مع الأخذ بعين الاعتبار التوسع المشهود للجماعة خارج النطاق القطري خاصة في الديار الأوروبية التي غدت فيها القوة الدعوية الأولى سيما في إسبانيا وإيطاليا وفرنسا.
2- الإدماج في الهياكل القيادية القائمة :
كمجلس الإرشاد و الأمانة العامة للدائرة السياسية وباقي الهيئات القيادية التوجيهية للجماعة. وهذا من شأنه أن يعزز هذه المؤسسات ويضخها بقيادات شابة ومؤهلة بشكل كاف.
وخلاصة القول أنه يمكن القول بأن جماعة العدل والإحسان قد استفادت من قضية اعتقال الطلبة والحكم عليهم بعشرين سنة نافذة مرتين: الأولى عندما لم تقدم تنازلا أو طلبا للعفو، مما أكسبها صمودا تفاوضيا في وجه النظام رغم الاتصالات غير المباشرة معه والتي كللت كلها بالوصول إلى الباب المسدود. وثانيا عندما ثم استثمار هذا الاعتقال وتحويله إلى مدة تكوينية و تهيئية للطلبة المعتقلين الذين من دون شك سيكون أحد أعمدة الجماعة وقياداتها المستقبلية الوازنة. وبالموازاة مع هذا لنا أن نستشف بأن البون بين الجماعة والنظام المغربي قد أضحى فعلا بونا شاسعا، وأن مساحات الالتقاء ومحاولات التقارب قد أوغلت في التقلص؟!
جروب "الإســــــلاميــون" على الفـيس بوك يفتح لك نافذة للإطلاع على أحدث الموضوعات التي تتناول شئون الحركات الإسلامية والطرق الصوفية



















