أرسل لصديق ||

آسيا الوسطى .. "فوبيا" الظاهرة الإسلامية

حالة من الإضعاف المتعمد للإدارات الدينية
حالة من الإضعاف المتعمد للإدارات الدينية

تحيط بالحالة الدينية في منطقة آسيا الوسطى وجنوب روسيا حالة عالية جدا من الضبابية، يشارك في إحداثها واستمرارها أطراف كثيرة ولأغراض متنوعة، فهناك الرغبة الحكومية في الضغط على الانتماء الإسلامي القوي في نفوس أبناء البلاد ويختلف هذا الضغط -مع وجوده في المنطقة كلها- بين يد موغلة في العنف قاسية دموية كما هو الحال في أوزبكستان، أو استخدام أساليب أكثر نعومة وأقل دموية كما في بلدان أخرى.

كما يوجد ضعف في المعلومات الموثقة والمنضبطة وكذا الإحصاءات، وخصوصا العربية منها عن هذه المنطقة، لكون المنطقة العربية شديدة الاشتعال، وعدد الباحثين العرب المهتمين بالشأن الإسلامي في آسيا الوسطى قليل جدا والمتخصصين منهم أقل، والذين زاروا المنطقة وأقاموا فيها أقل وأقل، وبالتالي فالكتابة في قضية شديدة الضبابية، والمهتمون بها قليلون والمعلومات الصحيحة عنها نادرة، مسألة تعد في غاية الصعوبة.

وتستثمر بعض الجهات المحسوبة على التيار الإسلامي حالة الضبابية هذه لمحاولة إعلان تواجد مزعوم، بغرض إحداث نوع من النجاح الإعلامي ولأغراض أخرى. وتدعمها في هذه المزاعم اتهامات معلبة وجاهزة توجهها أنظمة موغلة في الطغيان والاستبداد، تذكرنا بفكرة تهمة محاولة قلب نظام الحكم في مصر والتي توجهها النيابة العامة لأي سياسي يعرض عليها مع اختلاف التوجه والمشرب.

ويجب أن نضع في الاعتبار كذلك عدم وجود أداة إعلامية بيد المتدينين من أبناء المنطقة للتعبير عن أنفسهم، وكذا عدم وجود جهة واحدة تمثلهم، ووجود حالة عامة من الضعف المتعمد، بل الإضعاف المتعمد للإدارات الدينية، اللهم إلا في حالات نادرة.

التصنيف ومشكلات أخرى

وتعد مشكلة تصنيف الإسلاميين في آسيا الوسطى أحد أهم الإشكاليات المرهقة التي تتعب الباحث عند رغبته في الكتابة عن جانب من جوانب الحالة الإسلامية، ويعود ذلك لأسباب منها تميز الحالة الدينية في آسيا الوسطى بمعطيات أدت لتلاقي متناقضات في أماكن أخرى مثل الانتماء للمذهب الحنفي والالتزام بالمنهج السلفي في تعلم العقيدة، والتعاطي مع أدبيات الإخوان في الحل الإسلامي ومسألة الإحياء والتجديد.

فمعلوم أن أغلب سكان منطقة آسيا الوسطى المسلمون هم من الأحناف المتعصبين جدا للمذهب الحنفي باستثناء الشيشان وأجزاء من داغستان ومنطقة القوقاز فهم شافعية، وحدث نوع كبير من الارتباط بين الانتماء للمذهب الحنفي والتصوف لم يغيره إلا ظهور التيار الإسلامي الجديد بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وحصول دول المنطقة على حريتها، وتكون هذا المزيج بين موروث المنطقة الديني والذي تمسكت به فترة الاحتلال الشيوعي، وما ورد لها من أفكار وتيارات من البلاد العربية.

ويوجد احترام شديد جدا وحب وتقدير بين جميع المتدينين من أبناء المنطقة لبعض أعلام الحركة الإسلامية في الدول العربية مثل الشيخ حسن البنا، والشيخ عبد الحميد كشك، ومحمد الغزالي، والقرضاوي، وسيد قطب، ويضاف إليهم -وخصوصا في أوساط الشباب- بعض علماء الحجاز مثل الشيخين ابن باز وابن عثيمين، والشيخ ابن جبرين.

ويخاف المتدينون في المنطقة من تكوين تكتلات تخاطب الآخرين باسمهم بخلاف الإدارات الدينية والتي هي في الغالب الأعم ممالئة وتابعة للسلطة، وخصوصا بعد ما جرى للرعيل الأول من دعاة وعلماء المنطقة بين خطف وقتل وتشريد، وبالتالي يرغب هؤلاء المتدينون في العمل دون إحداث أي نوع من الظهور الإعلامي أو الاحتكاك السياسي.

لا شك أن المناخ السياسي والاجتماعي يؤثر على الحركات الإسلامية قوة وضعفا، بل يؤثر أيضا على عودة مواطني آسيا الوسطى للإسلام والتي تختلف درجتها بتغير عدد غير قليل من العوامل المؤثرة يأتي على رأسها تعامل الحكومات المسيطرة مع الإسلام كديانة تخوفا واقتناعا، قربا أو بعدا.

أوزبكستان

لدى الحكومة الأوزبكية فوبيا الخوف من الظاهرة الإسلامية عامة وليس مجرد خوف من التيارات الإسلامية السياسية، وقد حاولت في البداية صنع دور جديد لآخر مفتٍ للاتحاد السوفيتي محمد صادق محمد يوسف على اعتبار أنه شخصية تحظى باحترام واسع في مختلف الأوساط لكنها ما لبثت أن تراجعت خوفا من تكوين جمهور واسع خلف القضية الإسلامية، وفعلت الحكومة نفس الشيء مع الصوفية.

ولا تكاد الحكومة الأوزبكية تجيز إلا المشايخ الرسميين الذين يعتبرون في الغالب الأعم من وجهة نظر الجميع ليسو إلا موظفين لدى الجهات الأمنية قبل أن يكونوا موظفين في الإدارات الدينية، ولا تكاد تمر مناسبة إسلامية حتى يصدم أحدهم جمهور المواطنين المسلمين بفتوى صاعقة أو تصريح لافت لا خلاف في أنه صدر من جهة أمنية قبل أن يصدر من فم قائله لا يزيد عنه ألما إلا ما يلاقيه الأوزبك من أزمات اقتصادية ألجأت بعضهم لبيع بناتهم للحصول على مال يعين على إطعام بقية الأولاد في حالات تكررت كثيرا وأصبحت موثقة بطرق مختلفة لتسافر بعد ذلك إما إلى أوروبا أو إلى الخليج لتمتهن هناك، بينما يمتهن أهلها في بلدهم.

ومع ذلك مازال عدد حفاظ القرآن يزداد يوما بعد يوم -برغم القهر والفقر- في طشقند التي انشقت أرضها عن أكثر من 40 ألف حافظ للقرآن بعد ثلاث سنوات من انهيار الاتحاد السوفيتي، ومازال الحجاب منتشرا برغم السخرية والاستهزاء واعتقال المحجبات ومازال الإسلام قوة عابرة لكل تضييق.

قرغيزستان

 خريطة آسيا الوسطى

أما في قرغيزيا فالحكومة هناك في حالة تردد كبير مع الحالة الإسلامية، فبينما تتمتع الإدارة الدينية بحرية نسبية في الحركة، وسمح بارتقاء المناصب العليا فيها لشخصيات ذات توجه إسلامي مستقل ملحوظ، بل سمح لشخصيات إسلامية عامة بالظهور في التلفاز والتفاعل مع الجمهور الواسع كما يحدث مع الدكتور أوزبيك مثلا وهو شخصية إسلامية بارزة كونت تجربة رائدة، فإن نفس النظام لا يكاد يمر أسبوع إلا ويقتل على يد جنوده شاب أو أكثر، وخصوصا في المنطقة المحاذية لوادي فرغانة – أوزبكستان، وأحيانا يكون القتل بيد المخابرات والأمن الأوزبكي، وبتهم متنوعة تفتقر لأبسط دليل غير الدماء المسالة.

كازاخستان

وفي كازاخستان ومع وجود مناخ أوسع من الحرية وأرحب اجتماعيا واقتصاديا فإن الحالة الدينية تختلف ويختلف رد الفعل الأمني والمجتمعي لها باختلاف المدينة، فبينما يستقبل الدعاة المسلمون بكثير من التقدير في العاصمة والمدن الشمالية مثل كراجندا، يقابلون في المنطقة الغربية الساحلية وفي أكتاو بغلظة من جمهور لا يحفل كثيرا بالدين؛ مع أن جذورهم مسلمين. وبينما يتعامل الأمن بشيء من الرقي مع المواطنين المتدينين مع اختلاف اتجاهاتهم في الشمال والعاصمة فإن الوضع يختلف ويشتد وربما يتأزم في بعض الحالات في الجنوب وخصوصا في مدينة تراز (جمبول)، وكذلك "شمكنت" وعموم المنطقة المحاذية للحدود الأوزبكية.

وهنا لا بد من الإشارة إلى مصادقة البرلمان الكازاخستاني عام 2005على قانون مكافحة الإرهاب الموقع بين دول رابطة الدول المستقلة، وتبع ذلك إغلاق «الجامعة الكويتية – الكازاخية» الممولة من «جمعية الإصلاح الاجتماعي» الكويتية، بتهمة أنها كانت تحض على الإرهاب، علما بأن هذه الجامعة كانت تعمل وفق قوانين وزارة التعليم العالي الكازاخستاني منذ أكثر من خمس سنوات، ويدرس فيها نحو خمسمائة طالب، وتخرج منها المئات، ضمن فروع الصحافة والتاريخ واللغة العربية والعلوم الإنسانية الأخرى.

وأدرجت «جمعية الإصلاح الاجتماعي» الكويتية أيضا ضمن قائمة المنظمات المحظورة في كازاخستان، إضافة إلى تنظيمات عدة أخرى منها «حركة طالبان» الأفغانية و«جماعة مجاهدي آسيا الوسطى» و«الإخوان المسلمين» و«عسكر طيبة» و«عصبة الأنصار» و«القاعدة» و«حزب تركستان الشرقية الإسلامي» و«حزب العمال الكردستاني» وحركة أوزبكستان الإسلامية المسلحة، وهذه التيارات ليست كلها موجودة في كازاخستان بل إن بعضها لا يوجد منه عضو واحد يعيش على أرضها.

وقد تغض الحكومة الكازاخية الطرف عن أحد التيارات في مدينة، وتهاجم أتباع نفس التيار في مدينة أخرى، مما يحدث ترددا كبيرا في أنصار هذه التيارات بين إعلان الهوية أو إخفائها والتوجس من المستقبل المجهول، وبالتالي يؤخر في زيادة عضوية هذه التيارات، وفي ذات الوقت تسمح الحكومة بشيء كبير من حرية الحركة للإسلاميين المستقلين، وتتواتر الأخبار عن تدين بعض أفراد أسرة الرئيس وقيام ابن أخيه ببناء مسجد كبير في الشمال، واستضافة بعض المؤتمرات الإسلامية الجامعة، مما يزيد الحيرة والالتباس.

تركمانستان

ويختلف الوضع في تركمانستان اختلافا كبيرا؛ فالوضع الداخلي لم يتغير كثيرا حتى بعد وفاة رئيسها السابق صابر نيازوف الذي حول بلاده إلى دولة الرجل الواحد والكتاب الواحد وساوى في إقصاء الجميع، فلا يسمح للإسلاميين بالعمل ولا حتى للتشكيلات التنصيرية التي تنتشر انتشار النار في الهشيم في آسيا الوسطى.

وقد أغلق رئيس تركمانستان بلده بالكامل؛ فالطيران داخلي والقنوات الفضائية لا تصل، ولا توجد أجهزة لاستقبال القنوات الفضائية، ويقرأ كتابه (روح نامة) كتاب الروح عند افتتاح البث وعند إغلاقه وفي طابور الصباح في المدارس وفي المساجد قبل الصلوات وفي المصانع ويدرس على الطلاب في الجامعات، ومع أن الدولة كانت تهتم جدا ببناء المساجد فإن المسجد يقتصر دوره على أداء بعض الفرائض ويغلق أمام أي أنشطة أخرى، بل غير مسموح التفكير فيها بالمطلق، وأئمة المساجد يحفظون من روح نامة أكثر مما يحفظون القرآن.

ولا عجب إن سمعت الطلاب التركمان يسوقون النكات المختلفة على ما يجري في بلادهم المغلقة إغلاقا محكما, وبعد وفاة رئيس تركمانستان في20/12/2006 ظن البعض إمكانية حدوث انفراجة اجتماعية وسياسية في تركمانستان، ولكن ما حدث هو تخفيف جرعة روح نامة فقط؛ أما باقي الوضع فهو كما هو بكل شحوبه وضبابيته، ووسط هذا الجو الكئيب لا يمكن الحديث عن تواجد للحركة الإسلامية بأي صنف أو لون في تركمانستان اللهم إلا في عدد محدود جدا من طلابها الذين يدرسون في الخارج، وهم أصلا قلة نادرة وسط مراقبة أمنية قاسية للغاية.

ويبقى أن مشكلة التصنيف ليست للباحثين فقط ولكنها أيضا تحدث لأجهزة الاستخبارات، فقد يقف بعضهم عاجزا عن تصنيف مجموعة أو فئة أو عمل معين، وقد تحدث بسب ذلك أخطاء وأغلاط، وقد تكفلت بعض أجهزة الأمن العربية بتقديم الدعم في هذا الجانب وهو دعم أدى إلى مزيد من الضبابية للأسباب مختلفة.

ويظل الوضع الإسلامي في آسيا الوسطى بالغ الاختلاط والتعقيد ولن يزول التباسه إلا بتحرك أجهزة الحكم هناك باتجاه نوع من الحرية لشعوب طالما اشتاقت لها ولن تصبر كثيرًا على فراقها.


كاتب مهتم بالشأن الإسلامي في أسيا الوسطى

جروب "الإســــــلاميــون" على الفـيس بوك يفتح لك نافذة للإطلاع على أحدث الموضوعات التي تتناول شئون الحركات الإسلامية والطرق الصوفية