أرسل لصديق ||

بيعة الله محسود.. زعيم صنعته "الحرب على الإرهاب"

محسود يتقدم أتباعه
محسود يتقدم أتباعه

تتجاوز أهمية الزعيم الطالباني "بيعة الله محسود" كونه قائد "طالبان باكستان" إلى كونه قائدا تمكن من جمع شتات قادة القبائل والمقاتلين الأجانب في منطقة القبائل الباكستانية تحت مظلة واحدة، يضاف إلى ذلك شخصيته الكاريزمية وقدراته التنظيمية وعلاقاته القوية بالملا عمر زعيم طالبان أفغانستان، وتنظيم القاعدة، ومن ثم يتوقع أن يترك مقتله -إذا تأكد- آثارا بالغة على مستقبل حركة طالبان والقاعدة والتي ستكون الخاسر الأكبر من رحيله حيث وصف بـ"رجل القاعدة الأول في باكستان".

قبل توليه القيادة كان "بيعة الله" مساعدا لعبد الله محسود القائد السابق لطالبان باكستان والذي قتل العام الماضي في منطقة "زهوب" بإقليم بلوشستان بالجنوب الغربي المتاخم لأفغانستان، وكلاهما ينتمي لقبيلة "محسود" التي تعد أكبر قبائل جنوب وزيرستان حيث يمثل أفرادها نحو 60% من سكانها البالغ مجموعهم 700 ألف نسمة، فيما يمثل أبناء قبيلة وزير المنافسة لها ما يزيد على 35% من السكان.

محسود هو قائد صنعته الحرب الأمريكية على ما يسمى بالإرهاب، التي ساهمت، ولا تزال، في ولادة تنظيمات وجماعات جهادية مسلحة لمواجهة "العدو الأمريكي الصائل في بلاد المسلمين"، وتظهر هذه التنظيمات وقادتها بشكل ميكانيكي، خاصة في ظل استمرار الحرب الأمريكية وديمومتها إلى أجل غير مسمى.

رجل سلام يتحول لمحارب

ظهر محسود في البداية كرجل سلام في منطقة القبائل، تجلى هذا الدور في فبراير 2005 حين وقعت الحكومة معه اتفاقية في محاولة لإحلال السلام في الإقليم، وذلك مقابل عفو عام عن مقاتلي القبائل ووعد منه بعدم مهاجمة مراكز الأمن أو العبور للقتال في أفغانستان.

ولكن محسود تراجع عن الاتفاق نهاية أغسطس 2007م بعد العملية العسكرية في المسجد الأحمر (لال مسجد) في إسلام آباد التي دبرها الرئيس الباكستاني حينها برويز مشرف وتم خلالها اقتحام المسجد وتصفية أكثر من 100 شخص على أيدي قوات الأمن، إضافة إلى اعتقال إمام المسجد "مولوي عبد العزيز"، وقد تركت العملية أثرًا سيئا في نفوس طلاب المدارس الدينية وكثير من التيارات الإسلامية، وبعد تلك الحادثة بدأت مجموعات طالبانية في مهاجمة الجيش للانتقام لما حدث.

سئل بيعة الله عن موقفه من استهداف الجيش، وذلك في حوار له مع الصحفي أحمد زيدان فرد: "لم أكن راغبا في ذلك، أما وأن وحدات الجيش وافقت أن تعمل تحت القيادة الأمريكية الصليبية فإن استهداف الجيش وعناصره أصبح مباحا وحلالا بالنسبة إلينا"، فهو يرى أن الهدف من تحالفه مع قادة القبائل عبر "شورى المجاهدين" الذي تشكل مطلع العام الحالي وقتاله للجيش هو نوع من جهاد الدفاع لمواجهة القوات الباكستانية، وضمان الأمن للفرد والمجتمع المسلم في منطقة القبائل، ويؤكد أنها حرب أمريكية، وأن المحصلة النهائية لهذا التحالف تطبيق الشريعة الإسلامية في باقي أرجاء باكستان.

كاريزما قيادية في منطقة القبائل

هل تنتهي طالبان بمقتل محسود؟ 

بخلاف قادة "طالبان باكستان" السابقين فقد ذاع صيت بيعة الله بعد توليه القيادة بفترة وجيزة، وهو ما أثار التساؤل عن أسباب هذه الشهرة وذلك النفوذ الذي يمتد في مساحة تقدر بحوالي 2700 كيلو متر مربع ما بين شمال وزيرستان إلى كورام، وحسب المعلومات المنشورة عنه فإن بيعة الله لم يدرس في المدارس الدينية كغيره من قادة العمل الجهادي في باكستان وأفغانستان، حيث ولدت الجماعات الطالبانية وقادتها من رحم هذه المدارس، لكن سماته الشخصية ومهاراته في التخطيط والقتال جعلت منه زعيما عسكريا ذائع الصيت.

يصفه محمود شاه العميد المتقاعد من الجيش الباكستاني في تصريحات لـ"إسلام أون لاين.نت"، فيقول: "محسود قائد بالفطرة وصاحب شخصية كاريزمية ويجيد التفاوض، لقد عزز من انتشار الحركة في باكستان".

ويعاني محسود من مرض السكري ويتلقى العلاج بشكل مستمر، لكنه رغم ذلك "رجل نشيط للغاية، ويغير مخابئه باستمرار تاركا أجهزة الاستخبارات بلا أي دليل قد يرشدهم إليه"، على نحو ما يصفه زعيم قبلي.ويضيف الرجل الذي التقاه قبل ستة أشهر: "على الصعيد الشخصي هو رجل كريم ومهذب للغاية.. لقد وجدته إنسانا جيدا، ولم أشعر بأي شيء غير عادي نحوه".

ويقول عنه صحفي باكستاني: "التقيته مع عدد من أصدقائي، وكان انطباعنا الأول عنه أنه إنسان جيد حقا ومضياف، وأجاب بشكل مهذب عن أسئلتنا القاسية".

أما حسن أبو هنية الباحث في شئون الحركات الإسلامية فيرى أنه على قدر قلة تصريحاته وعدم ظهوره في الإعلام كان يتمتع بشعبية كبيرة وكانت جميع الأمور تتجه لديه إلى الحسم، سواء مع الجماعات وقادة القبائل الآخرين أو مع الدولة، وتوافقت هذه الإستراتيجية الصارمة مع الدولة بإستراتيجية قتالية صارمة أيضا ساهمت في ترسيخ أقدامه، وهذه القدرة على الحسم كانت أهم ما يميز محسود.

قائد "تحريك طالبان باكستان"

لم يتجاوز الخامسة والثلاثين من عمره، لكن الشاب محسود استطاع أن يقود حركة طالبان باكستان "تحريك طالبان باكستان" في ظروف صعبة وتمكن من الصمود أمام حملة الجيش، وكانت أبرز إنجازاته في رأي صحيفة الأوبزرفر البريطانية أنه أعاد للشبكة الجهادية في أفغانستان عنفوانها, وجمع أمراء الحرب من قبائل البشتون والمجاهدين من إقليم البنجاب وفلول تنظيم القاعدة في أرجاء العالم الإسلامي تحت راية واحدة. وقد منحه هذا المزج بين العناصر الجهادية المدربة والمال والقدرة على التنظيم، إمكانية توجيه ضربات في أي مكان بباكستان، ويقدر عدد المقاتلين تحت إمرته بنحو عشرين ألف مقاتل.

وقد شارك محسود في القتال إلى جانب قوات طالبان في أفغانستان منتصف التسعينيات من القرن الماضي (العشرين)، وكان تزايد شعبيته على جانبي الحدود بين باكستان وأفغانستان كفيلا بأن يجعل منه جسرا يربط بين طالبان الباكستانية ونظيرتها الأفغانية، فقد أرسل رجاله للقتال بجانب طالبان الأفغانية ضد قوات التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة، فالقتال ضد أمريكا بنظر محسود هو قتال مسلمين ضد كفار، ولهذا فقد بايع الملا محمد عمر باعتباره أمير المؤمنين، وربما تكون علاقته الجيدة بعمر سببا من أسباب قوته.

خسرته القاعدة

التقي محسود عددا من قادة القاعدة من بينهم أبو مصعب الزرقاوي قبل أن يرحل من منطقة القبائل الباكستانية إلى العراق وكانت العلاقة بينهما قوية، وربما كانت هناك صفات مشتركة كثيرة بين بيت الله والزرقاوي في الخطط والإستراتيجيات القتالية، وفي الحرص على عدم الظهور الإعلامي، وهو ما مكن كلا الشخصين من الصعود بالتنظيم والصمود أما الاستهداف الأمريكي كما يتحدث أبو هنية.

ومن المتوقع أن يترك مقتل محسود على طالبان باكستان ذات الأثر الذي تركه رحيل الزرقاوي على تنظيم القاعدة في العراق، حيث يشهد التنظيم تراجعا منذ قتل الزرقاوي في منتصف عام 2006 ولم يتمكن رغم مرور أكثر من ثلاث سنوات على مقتله من استرداد عافيته.

 

القاعدة ستكون اكثر المتضررين برحيل محسود 

لم يلتق بيعة الله بأسامة بن لادن أو الظواهري، حسبما قال في حوار معه لكنه كان يقدر قادة القاعدة ويكن لهم "كل الحب والاحترام بسبب عدائهم للكفار واليهود"، ويقول: "القاعدة مسلمون تجري في دمائهم غيرة قل أن تجدها في العالم.. القاعدة إخواننا وسنبقى نخدمهم حتى لو طلبوا منا رؤوسنا فسنقدمها لهم"، ولهذا فقد لعب محسود دورا في احتضان مقاتلي تنظيم القاعدة العرب ومقاتلي آسيا الوسطي حيث كانت منطقة القبائل الباكستانية بمثابة المأوى لهؤلاء المقاتلين طيلة السنوات الماضية.

ولهذا فإن تنظيم القاعدة سيكون الخاسر الأكبر من رحيله حيث "كان تنظيم القاعدة يعتمد بدرجة كبيرة طوال الأعوام الثمانية الماضية على محسود وحلفائه المقربين وغيرهم من القبائل المتعاطفة معه لحمايته في جنوب وزيرستان بعد أن أجبر القصف الأمريكي لأفغانستان عام 2001 الملا محمد عمر على مغادرة أفغانستان"، حسبما قالت مجلة النيوزويك الأمريكية.

رحيل محسود ومستقبل طالبان

في ظل الأنباء المتضاربة عن مقتله في غارة أمريكا لطائرة بدون طيار على منطقة القبائل الباكستانية فإن رحيل هذا القائد سيؤثر ولا شك على مستقبل طالبان، وقد يسهم في تفتيت هذه التشكيلات القبلية، وذلك بسبب الخلافات الموجودة بين القادة والتي كان لمحسود دور في احتوائها، لأن طالبان باكستان هي بالأساس مجموعات متباينة وليست تنظيما متماسكا كالقاعدة أو طالبان أفغانستان.

ولا شك أن أي خليفة لمحسود لن يكون بنفس قدراته، "فأي شخص ستنتخبه طالبان خليفة لمحسود لا أعتقد أنه سيكون قادرا على سد الفجوة الناجمة عن وفاته"، وفق ما قاله محمود شاه العميد المتقاعد بالجيش.

يرجح حسن أبو هنية مقتل محسود، لكنه يؤكد أن رحيله لن يؤثر على طبيعة واستمرار الحركة، وذلك لتوفر البيئة والشروط الموضوعية التي لا تزال تنتج الظاهرة الطالبانية، مشيرا إلى أن مجلس شورى المجاهدين أيضا سيبقى لفترة طويلة، وربما يكون موت محسود سببا في تبني أجندات أكثر تطرفا داخل طالبان؛ غير أن هذا سيستغرق وقتا حتى تعيد الحركة ترتيب أوراقها وحسم القيادة بداخلها.


صحفي بموقع الإسلاميون.نت