المواسم الصوفية بالمغرب "تبرد" حرارة الصيف
وذهب متخصصون في الشأن الديني بالمغرب إلى أن اختيار فصل الصيف لتنظيم هذه المواسم الصوفية يمليه التفرغ من الانشغالات اليومية والبقاء أطول بخلاف أيام السنة الأخرى.
مواسم للسياحة الروحية
بخلاف تأجيل الطريقة التيجانية للقاء الدولي حول الطريقة، الذي كان مقررا تنظيمه يومي 3 و4 يوليو بالدار البيضاء حول موضوع "الطريقة التيجانية جسر الأخوة المغربية الإفريقية"، إلى شهر نوفمبر المقبل استجابة لرغبة شخصيات ومرجعيات دولية، أكدت الطريقة "المشيشية" والعلوية والقادرية ونقابة الشرفاء الأدارسة تنظيم مواسمها الروحية في أوقاتها المعتادة.
وفي هذا السياق تحيي نقابة الشرفاء الأدارسة في الفترة ما بين 2 يوليو إلى 13 أغسطس المقبل الموسم السنوي للمولى إدريس الأكبر بمدينة زرهون، وأفادت نقابة الشرفاء الأدارسة الشبيهيين في بلاغ إعلامي أن برنامج الموسم لهذه السنة يتضمن تنظيم موسم العلميين في الثاني من يوليو والموسم الكبير يوم التاسع منه وموسم الطريقة العلوية يوم الحادي عشر من الشهر نفسه.
أما موسم القبائل فيشمل تنظيم موسم قبيلة بني مطير بالحاجب (قرب مكناس) يوم 16 يوليو، وموسم قبيلة عرب سايس يوم 23، وموسم قبيلة بني أحسن يوم السادس من أغسطس وموسم قبيلة "زمور الخميسات تيفلت" يوم 13 أغسطس.
وحددت الطريقة البودشيشية بداية أغسطس لتنظيم ما أطلقت عليه "الجامعة الصيفية"؛ حيث سيكون موعد المريدين مع أنشطة مكثفة علميا وروحيا وتكوينيا.
وقال عبد الصمد غازي، باحث في الشأن الصوفي ومريد للطريقة البودشيشية: إن برنامج الجامعة الصيفية، الذي يختلف عن المواسم السنوية لبعض الطرق الصوفية، يتضمن برنامجا متكاملا تشرف عليه اللجنة العلمية للطريقة، وهو في لمساته الأخيرة.
وأفاد غازي في تصريح خاص لـ"الإسلاميون.نت": "برنامج الجامعة الصيفية يتضمن أيضا أياما دراسية تعد بمثابة منتدى داخلي لأعضاء الطريقة، وتركز محاوره على مناقشة شأن الطريقة وآفاق خدمتها، وتعميق التربية الصوفية لدى فقرائها، ومدارسة علاقتها بالمحيط المحلي والدولي، وتليها ورشات تكوينية وموائد مستديرة لجميع الفئات العمرية، وقد سبق للطريقة أن نظمت ملتقى خاصا بشباب الطريقة حضره أزيد من ألف شاب بمدينة بوزنيقة".
التصوف والسياسة
وسيكون جبل العلم بإقليم العرائش (شمال المغرب) محجا صوفيا لمريدي الطريقة الشاذلية المشيشية، خاصة من الوفود الآتية من جنوب المغرب لتأكيد وحدة المغرب بين شماله وجنوبه.
ونقلت يومية المساء يوم الخميس 25 يونيو الجاري عن عبد الهادي بركات، نقيب الشرفاء العلميين، قوله: إن "هذا الموسم الصوفي مناسبة سانحة للتعريف بالمبادئ الروحية الكبرى التي يتأسس عليها الفكر المشيشي الشاذلي، كما يشكل أرضية عامة للمصالحة مع مختلف التصورات والمسالك المغايرة".
وأوضح أن موسم عبد السلام بن مشيش، الذي ينطلق في 1 يوليو، سيعرف مشاركة وفود من الأقاليم الجنوبية، خاصة شرفاء الركيبات والعروسيين وأهل الشيخ ماء العينين وتاكنا وولاد أدليم وأولاد تيدرارين وآيت أوسا، وهذا الحضور الفعلي يكتسي دلالة رمزية قوية في وجه كل دعاة الانفصال المناوئين للوحدة الترابية، كما يترجم الرباط التاريخي بين الشمال والجنوب، بالإضافة إلى الروابط العائلية والروحية التي ظلت دائما تشكل العروة الوثقى مع القطب الصوفي للمشيشية الشاذلية.
ويزور الموسم وفود يزيد عدد أفرادها عن مائتي ألف زائر من قبائل الشمال المغربي وأعيان الصحراء وبدوهم، وكذا أنجال وأحفاد القطب الصوفي بقبيلة المشايشة بليبيا، وعدد من المريدين من بلدان أوروبية.
ويحظى المحفل الديني برعاية رسمية؛ حيث تقدم هبة ملكية للشرفاء العلميين لرعاية الزاوية في حفل خاص، وبعد انتهاء الموسم ترفع أكف الضراعة بالدعاء والنصر والتمكين لملك المغرب.
وذكرت وكالة المغرب العربي للأنباء -وكالة أنباء رسمية بالمغرب- أن لجنة ملكية منحت الخميس الماضي أيضا هبة ملكية للشرفاء العلميين والأدارسة، موجهة لقراء القرآن الكريم والمادحين والشيوخ، وكذا للعديد من الأسر المعوزة، والأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة بالمدينة؛ وذلك بمناسبة موسم مولاي إدريس الأكبر المقرر تنظيمه بين 2 يوليو و13 أغسطس المقبلين.
الصيف فسحة للتفرغ
ويرجع عباس بوغالم، باحث في العلوم السياسية والشأن الديني، حرص الطرق الصوفية على تنظيم مواسمها واللقاء بمريديها خلال فصل الصيف إلى "ما يمنحه فصل الصيف من فرصة للتفرغ وإمكانية استقطاب مريدين جدد باستثمار عمل التنظيمات الحديثة في التأطير والتكوين".
ويضيف بوغالم، في تصريح لـ"الإسلاميون.نت": "هناك بعض الزوايا تنظم أنشطة علمية وتربوية تتجاوز ما يسمى بالرباطات التربوية، إلا أنها تقتصر على مريديها، مثل الطريقة البودشيشية، التي طورت طبيعة عملها بتنظيم ما يسمى بالجامعة الصيفية".
|
|
|
لقاء لإحدى الطرق الصوفية |
وفيما يتعلق بكون المواسم والأنشطة الصوفية فضاء لـ"تبريد" حرارة الصيف قال بوغالم: "من الناحية السوسيولوجية يبقى الناس أحرارا في اختياراتهم، ويبقى معطى استثمار الصيف في زيارة المحجات الصوفية حاضرا، إلا أنه لا يمكن الجزم بكونه أصلا أو أمرا تابعا، فمحج الطريقة البودشيشية مثلا يحج إليه مهندسون وجامعيون إضافة إلى طلبة وباقي الشرائح الاجتماعية كمتنفس روحي، وشحذ الهمة من البرودة الروحية، التي تلهب مشاعر المريدين وتلهفهم إلى الفضاء الروحي".
ويشير الباحث في الشأن الديني إلى أن "المواسم الصوفية فسحة وفرصة لتلبية حاجيات روحية؛ لأن المريدين لا يبقون حبيسي الزوايا، بل يقومون بسياحة وتسوق في مدن أخرى".
ولم يستبعد عبد الصمد غازي، باحث في الشأن الصوفي، ما يتيحه الصيف من وقت للتفرغ من الاهتمامات الوظيفية وما يخوله من حرية في التنقل والبقاء لفترة أطول في المكان، إلا أنه يشدد على ضرورة "التمييز بين المواسم السنوية لبعض الطرق الصوفية، وما تقوم به الطريقة البودشيشية ضمن برنامج سنوي وليس عملا موسميا.
ويتابع شارحا: "برنامج الطريقة لا يركز أنشطته في الصيف فقط، بل لديها برنامج طوال السنة يتضمن تنظيم ندوات علمية لها علاقة بالقضايا الراهنة مثل "التصوف والمجتمع"، و"التصوف والتنمية"، و"التصوف والحرية"، فضلا عن تنظيم ليالي السماع الصوفي، التي تغطي جميع المدن المغربية، والقيام ببعض الأعمال الاجتماعية مثل التبرع بالدم، وتنظيم حفلات الختان، وتوزيع المحافظ والنظارات على المحتاجين".
وبين تلبية أشواق الروح في حلقات الذكر والعلم، تواجه الطرق والزوايا الصوفية مشكلة اندساس الخرافة والشعوذة في طقوسها ولدى بعض المريدين؛ حيث تتحول أغلب المواسم إلى سوق كبير لبيع الأوهام، وانتشار المفاسد الأخلاقية المسيئة لشيوخ الزوايا.


















